حذرت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير تحليلي من “مؤامرة سياسية واضحة” يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنسف اتفاق وقف حرب الإبادة الجماعية في غزة، رغم الزخم الدولي المتزايد حول خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي وُصفت بأنها “أقرب فرصة حقيقية لإنهاء الحرب منذ عامين”.
وتؤكد الصحيفة أن موافقة حركة حماس الجزئية على خطة ترامب، وترحيب واشنطن والقاهرة والدوحة بها، مثّل لحظة نادرة من التفاؤل في مسارٍ طويل من الفشل الدبلوماسي، لكن تصريحات نتنياهو المتكررة منذ الإعلان عن المبادرة “تكشف نية مبيّتة لإفشال الاتفاق من الداخل قبل أن يرى النور”.
نتنياهو يزرع الألغام في طريق الصفقة
بينما تتجه الأنظار إلى القاهرة حيث تبدأ جولة المفاوضات الجديدة بين وفود الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس وفصائل المقاومة اليوم الاثنين، يواصل نتنياهو بث رسائل مزدوجة للرأي العام المحلي والدولي.
فبعد أن أعلن دعمه “المبدئي” للخطة الأمريكية، نشر مقطع فيديو يؤكد فيه أن القوات الإسرائيلية ستبقى في عمق قطاع غزة “لضمان الأمن”، متجاهلاً البند الأساسي في خطة ترامب الذي ينص على “انسحابٍ كامل وتدريجي” من القطاع.
وتشير الغارديان إلى أن هذا الموقف ليس مجرد تناقض لغوي، بل “إشارة صريحة إلى أن (إسرائيل) لا تنوي الالتزام بخطة الانسحاب”، وأن نتنياهو يسعى إلى تفريغ الاتفاق من مضمونه وتحويله إلى هدنة مؤقتة تُكرّس الاحتلال بدل أن تنهيه.
ويضيف التقرير أن (إسرائيل) تعمدت خلال الأيام الأخيرة تنفيذ سلسلة غارات مكثفة في غزة، كرسالة ضغط على المفاوضين الفلسطينيين في القاهرة، ومحاولة لفرض أمرٍ واقع قبل أي اتفاق سياسي محتمل.
خطة ترامب بين الطموح والواقع
تتضمن خطة ترامب المؤلفة من عشرين بندًا بنية سياسية وأمنية معقدة تهدف إلى إنهاء الحرب عبر مراحل متتالية:
إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين خلال 72 ساعة، وتسليم السلطة في غزة لهيئة “تكنوقراطية عابرة للحدود” بإشراف أمريكي، مقابل انسحابٍ تدريجي للقوات الإسرائيلية من القطاع وإطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني.
لكن الخطة تتضمن أيضًا شروطًا شديدة الحساسية، أهمها نزع سلاح المقاومة ووضع القطاع تحت إشراف دولي مؤقت، وهو ما تعتبره حركة حماس “تفريغًا لمفهوم المقاومة الفلسطينية”، وسببًا لرفضها البنود الأمنية والسياسية الأكثر جدلاً.
وأكدت حماس أنها تقبل مبدئيًا ثلاثة بنود فقط: إطلاق الأسرى، تسليم السلطة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، مع المطالبة بمناقشة بقية البنود في إطار “موقف وطني جماعي” يشمل الفصائل الفلسطينية الأخرى.
وترى الغارديان أن هذه الموافقة الجزئية تمثل “تحولًا براغماتيًا لافتًا” من جانب الحركة، لكنه في الوقت ذاته “يكشف عمق انعدام الثقة تجاه النوايا الإسرائيلية”.
مخاوف من تكرار سيناريوهات الانهيار السابقة
يقول التقرير إن نتنياهو، الذي يواجه أزمات داخلية متفاقمة واتهامات بالفساد وانقسامًا داخل حكومته اليمينية، يرى في استمرار الحرب وسيلة للبقاء السياسي، إذ إن أي اتفاق يفرض انسحابًا كاملاً سيُعتبر “هزيمة” أمام خصومه المتشددين.
ويحذر محللون نقلت عنهم الصحيفة من أن نتنياهو “يُقايض” على دماء الفلسطينيين ومستقبل غزة مقابل إنقاذ مستقبله السياسي، وأنه “مستعد لإفشال أي تسوية قد تضع حدًا للحرب طالما لم تضمن بقاء نفوذه”.
وترى الغارديان أن المؤشرات الحالية تُذكّر بمفاوضاتٍ سابقة انهارت في اللحظات الأخيرة بعد أن وافقت حماس على مسودات تفاهم، قبل أن تتراجع إسرائيل فجأة وتستأنف القصف، كما حدث في جولات 2024 و2025.
وبحسب الغارديان، يحاول الوسطاء المصريون “تفكيك فخاخ نتنياهو” من خلال تضمين بنود تضمن رقابة عربية – أممية مشتركة على عملية الانسحاب الإسرائيلي وتبادل الأسرى، وهو ما ترفضه تل أبيب حتى الآن.
من جانبها، تضغط إدارة ترامب بقوة لإنجاح الاتفاق في أسرع وقت، وسط تسريبات تفيد بأن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي “تاريخي” قبل إعلان جائزة نوبل للسلام في 10 أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما وصفته الصحيفة بأنه “دافع سياسي شخصي أكثر من كونه التزامًا حقيقيًا بإنهاء المأساة الإنسانية في غزة”.
وتختتم الغارديان تقريرها بالتأكيد على أن احتمالات نجاح خطة ترامب “تتضاءل بسرعة” كلما ازداد نفوذ اليمين الإسرائيلي، وأن نتنياهو يتعمد إضعاف فرص السلام عبر الغموض والمراوغة، حتى لا يُحمَّل مسؤولية الفشل رسميًا.
ومع استمرار القصف وتزايد أعداد الضحايا الفلسطينيين، ترى الصحيفة أن العالم يقترب من مفترقٍ حاسم: فإما اتفاقٌ حقيقي يوقف الإبادة ويعيد بناء غزة، أو انهيارٌ جديد يقود المنطقة إلى حربٍ أطول وأشدّ قسوة — تمامًا كما يريد نتنياهو.
