في قلب الملاجئ المكتظة وتحت ظلال الدمار، يعيش أطفال التوحد في قطاع غزة فصلًا من المعاناة التي لا تشبه أي شيء آخر، فما بين أصوات الانفجارات، وصخب النزوح، وضياع الأمان، يفقد هؤلاء الأطفال عالمهم الهشّ الذي يعتمد على الهدوء والروتين، إنها حرب لا يفهمونها، لكنها اخترقت أعماقهم، وبدّدت ما تبقّى من استقرارهم النفسي.
قصفٌ بدّد السكون وشتّت الروتين
في أحد مراكز الإيواء غرب غزة، تجلس سعدية السنداوي، تحتضن طفلها "محمد" (8 أعوام) المصاب باضطراب طيف التوحد، وتروي مأساتها بصوتٍ خافت لـ"وكالة سند للأنباء":
"كان محمد يخاف من صوت المكنسة الكهربائية… فكيف له أن يحتمل صوت الصواريخ؟ منذ بداية الحرب، لم ينم ليلة واحدة دون بكاء أو صراخ.. كل قذيفة كانت تمزّق أعصابه."
قبل الحرب، كان محمد يخضع لجلسات علاج سلوكي يومية تساعده على التواصل والتوازن، لكن أم محمد تقول بأسى: "العلاج توقف، الأدوية نفدت، وكل ما كان يساعده على الهدوء اختفى.. محمد يحتاج إلى روتين وحياة مستقرة، لكن في غزة لا يوجد شيء اسمه استقرار".
خيمة لا تُشبه البيت
في مدينة دير البلح، تُقيم عائلة سامي المدهون داخل خيمة صغيرة بعد أن دُمّر منزلهم بالكامل في قصفٍ ليلي، ابنهم "آدم" (12 عامًا)، المصاب بالتوحد، كان يجد في غرفته الملوّنة ملاذًا آمنًا.
لكن والدته تروي لـ"وكالة سند للأنباء":
"منذ دُمّر البيت، لم يتوقف عن الصراخ.. يضرب رأسه أحيانًا من الخوف.. لا يفهم ما الذي يحدث.. كل ما يريده أن يعود إلى غرفته الزرقاء، إلى لعبته التي ضاعت تحت الركام"
تتابع الأم وعيناها تدمعان:
"في الخيمة، لا يوجد هدوء.. أصوات الناس، بكاء الأطفال، صفارات الإنذار… كلها تعذّبه.. الحرب جعلت ابني يعيش في جحيمٍ لا ينتهي."
الحرب دمّرت توازنهم العصبي
توضح الأخصائية النفسية مروة شحادة، المتخصصة في علاج اضطرابات التوحد، أن أطفال التوحد هم من أكثر الفئات تأثرًا بالحروب نظرًا لاعتمادهم الكامل على البيئة الهادئة والروتين المنتظم.
تقول خلال حديثها لـ"وكالة سند للأنباء": الانفجارات والضجيج المستمر يسبّبان انهيارًا في سلوك الطفل المصاب بالتوحد،فالحرب دمّرت توازنهم العصبي والنفسي، وبعضهم فقد المهارات التي اكتسبها خلال سنوات من العلاج."
وتشير إلى أن انقطاع الكهرباء ونقص الدواء وإغلاق المراكز المتخصصة جعل الأمهات في مواجهةٍ قاسية مع معاناة أبنائهن.
وتضيف "تلقينا حالات كثيرة لأطفال توقفوا عن الكلام تمامًا منذ بداية الحرب، وآخرين أصيبوا بنوبات عنف غير مسبوقة. هؤلاء الأطفال يعيشون صدمة مضاعفة، لأنهم لا يستطيعون التعبير أو الفهم."
“ما بعد الحرب سيكون أصعب إذا لم يُوفّر دعم نفسي عاجل لهذه الفئة،فأطفال التوحد في غزة يحتاجون إلى بيئة علاجية متخصصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،فصمتهم اليوم ليس هدوءًا… بل صرخة مكتومة في وجه عالمٍ لا يسمع." وفق "شحادة".
