سلط إفراج سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن جثامين مئات الشهداء في قطاع غزة الضوء على ممارسات التعذيب والإعدامات الميدانية التي تمت داخل منشأة الاحتجاز العسكري "سدي تيمان" في صحراء النقب، والتي يواجه القائمون عليها اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين.
وقال الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، والمتحدث باسم مستشفى ناصر في خان يونس، إن كل جثة أُعيدت تحتوي على وثيقة مكتوبة باللغة العبرية تشير بوضوح إلى منشأها من سدي تيمان، مضيفًا أن بعض الجثث خضعت لفحوصات الحمض النووي هناك.
وأوضح البرش أن هذه الوثائق تؤكد أن المعتقلين تعرضوا لاعتقال قسري في ظروف "وحشية"، شملت تقييد الأيدي، معصوبي العيون، وربطهم إلى أسرّة مستشفى وفرض ارتداء الحفاضات عليهم، وهو ما أظهرته شهادات وصور نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية العام الماضي.
ويأتي هذا الإفراج في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيها الولايات المتحدة ويشمل تبادل الأسرى والجثث بين المقاومة الفلسطينية وسلطات الاحتلال.
إعدامات ميدانية وتعذيب ممنهج
أكد أطباء في خان يونس أن الفحوصات الميدانية والرسمية تشير إلى أن دولة الاحتلال ارتكبت أعمال قتل وإعدامات ميدانية وتعذيب ممنهج" بحق العديد من الفلسطينيين، مع وجود علامات إطلاق نار عن قرب، وجثث تعرضت للسحق تحت عجلات الدبابات الإسرائيلية.
وأوضح إياد برهوم، المدير الإداري لمجمع ناصر الطبي، أن الجثث لم تحمل أسماء، بل رموزًا فقط، وأن عملية التعرف على هوية الضحايا بدأت بالفعل.
وتظهر الصور التي اطلعت عليها صحيفة الغارديان، والتي لا يمكن نشرها لطبيعتها المروعة، أن العديد من الضحايا كانوا معصوبي العيون ومقيدي الأيدي، وأظهرت إحدى الصور حبلًا مربوطًا حول عنق رجل، ما يشير إلى تعذيبهم قبل الموت.
وفي حالة محمود إسماعيل شبات، 34 عامًا من شمال غزة، وُجدت آثار تعذيب حول رقبته، وساقاه محطمتان، في حين كانت يديه مقيدتين، ما يؤكد تعرضه لانتهاكات جسدية قبل وفاته.
ويشير الأطباء الفلسطينيون إلى أن العديد من الجثث التي وصلت من سدي تيمان كانت قد تعرضت للتقييد والاعتداء الجسدي بشكل واضح، وأن البعض منهم تم بتر أطرافه بسبب مضاعفات التقييد، فيما تعرض آخرون لانتهاكات جنسية وجسدية.
وقد أفاد شادي أبو سيدو، الصحفي الفلسطيني الذي أفرج عنه بعد 20 شهرًا من الاحتجاز، بأنه تعرض للضرب والتقييد ومعصوبي العينين طوال فترة اعتقاله، مشيرًا إلى وفاة العديد من المعتقلين وفقد آخرون قدراتهم العقلية نتيجة التعذيب.
دعوات لمحاسبة دولية
أكد ناجي عباس، مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، أن "العلامات على الجثث مرعبة لكنها للأسف ليست مفاجئة، فهي تؤكد ما وثقته المنظمة على مدى العامين الماضيين بشأن التعذيب والقتل المنهجي في مرافق الاحتجاز، وخصوصًا في سدي تيمان".
ودعت المنظمة إلى تحقيق دولي مستقل لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين، معتبرة أن العدد الكبير من الوفيات والأدلة على التعذيب والإهمال الطبي لا يترك مجالًا للشك في الحاجة إلى مساءلة قانونية.
وأفاد طبيب إسرائيلي، رفض الكشف عن هويته، بأن الصور تظهر تغييرات في لون الجلد عند مستوى الرباطات البلاستيكية المستخدمة لتقييد الأيدي، ما يشير إلى نقص تروية نتيجة التقييد المفرط. وأضاف أن ذلك قد يكون سبب وفاة المعتقل أثناء الاحتجاز.
كما دعا الدكتور موريس تيدبول بينز، طبيب متخصص في الطب الشرعي ومقرر الأمم المتحدة، إلى دعم جهود الفحص الجنائي بشكل مستقل ونزيه لتحديد هوية الموتى والتحقق من ظروف وفاتهم.
وقد استشهد ما لا يقل عن 75 معتقلًا فلسطينيًا في السجون الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفقًا للأمم المتحدة، بينما يواصل المجتمع الدولي مطالبة دولة الاحتلال بالتحقيق في ظروف احتجاز الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان داخل منشآت الاحتجاز مثل سدي تيمان.
