تزايدت الانتقادات الموجّهة للولايات المتحدة في تعاملها مع ملف غزة بعد وقفٍ هشّ لإطلاق النار، إذ يتهم مسؤولون ومحللون وناشطون واشنطن بأنها تُعطي الأولوية للحفاظ على الوقف المرحلي على حساب بلورة خطة ملموسة لمستقبل القطاع: من إدارة مؤقتة، إلى إعادة إعمار آمن ومستدام.
وأبرزت صحيفة الغارديان البريطانية إجراء زيارات متلاحقة لوفود مقربة من البيت الأبيض — على رأسهم جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وجي دي فانس، وماركو روبيو — بدت حتى الآن أكثر رمزاً من كونها خارطة طريق قابلة للتنفيذ.
وقالت الصحيفة إن المركزية الأميركية في الوساطة بعد الحرب أثبتت قدرتها على لجم تصعيدٍ لحظي، لكن ما تفتقده واشنطن وفق خصومها ونقادها هو برنامج عمل واضح لمرحلة ما بعد الهدنة.
اقتراحات دولية — منها فكرة هيئة حاكمة دولية مؤقتة وقوة أمنية أجنبية — باءت حتى الآن بالغموض: لا جدولاً زمنياً مؤكدًا لتولّي الهيئة لعملها، ولا تأكيدًا بشأن طبيعة تلك القوة أو جنسياتها أو صلاحياتها التنفيذية.
واعتبرت الصحيفة أن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بأن الولايات المتحدة لن تفرض تشكيل القوة على (إسرائيل) أظهرت نقطة الضعف الأهم في الدور الأميركي: الاعتماد على موافقة تل أبيب لفرض حلول قد تضبط موازين القوة وتقيّد سياساتها داخل غزة.
في الوقت نفسه عزّز تصريح الرئيس ترامب نفسه بعدم وجود "جدول زمني صارم" إحساسًا بإمكانية بقاء الوضع على حاله طويلاً عبر حالة من الفراغ المؤسسي المفتوح على سيناريوهات العنف المستمر.
وأشارت الصحيفة إلى استمرار وجود تساؤلات بدون أجوبة في خطة ترامب منها هل سيكون هناك دور فلسطيني معترف به لإدارة شؤون القطاع؟.
ورأت أن غياب إشارات أميركية واضحة إلى إشراك فلسطينيين شرعيين في إدارة المرحلة الانتقالية يمنح الانطباع أن واشنطن تفضّل حلولًا تقنية تبدو محايدة لكنها فعليًا تكرس مصالح إسرائيلية وتهمّش الشرعية الفلسطينية.
محاولة محو أبعاد المأساة الإنسانية
على صعيد الإعلام والوعي الدولي ثمة مآخذ إضافية. سجّل مراقبون انخفاضًا واضحًا في تغطية الخسائر المدنية في غزة، فيما تصدّرت أخبار انتهاكات مزعومة من فصائل المقاومة لوقف إطلاق النار عناوين الصحافة الإسرائيلية والغربية.
وعلقت الصحيفة بأن هذه التغطية الأحادية تُسهل على دوائر الضغط الإسرائيلية محو أبعاد المأساة الإنسانية وتبرير عمليات عسكرية لاحقة، بينما يقلّ ضغط الرأي العام على واشنطن لفرض ضمانات حماية فعالة للمدنيين أو مساءلة الأطراف عن الخروقات.
كما أن تكرار إرسال مبعوثين أميركيين لأجل "تثبيت الهدنة" بدلاً من "بناء حل" يعكس أولوية أميركية تكتيكية مقترنة بتردد استراتيجي.
والحديث عن "مراحل تفاوضية" بلا آليات تنفيذية ملموسة يذكّر بالمناورات السياسية التي تؤجل الحسم وتمكّن القوّة الأكبر من إعادة ترتيب قواعد اللعبة على الأرض خلال فترات الهدنة.
وتشير مصادر دبلوماسية في القاهرة والأمم المتحدة إلى أن مصر وممثلين آخرين يضغطون من أجل خطة شاملة تتضمن آليات لتشغيل معبر رفح، لجنة تكنوقراطية لإدارة الشؤون المؤقتة، وضمانات دولية لبدء إعادة الإعمار.
لكن النجاح يعتمد إلى حد كبير على موقف واشنطن: هل ستضغط على تل أبيب لفتح الباب أمام حلول أكثر توازنًا، أم ستكتفي بدور ميسّر يضمن في المقام الأوّل حماية دولة الاحتلال ومصالحها الحيوية السياسية والأمنية؟.
ويحذر الناشطون الفلسطينيون والمراقبون الدوليون من أن استمرار هذا النمط السياسي الأميركي — الذي يحافظ على وقفٍ هش دون خطة شاملة — سيؤدي إلى "تجميد مؤلم": قطاع مدمّر، ومجتمع لا يجد ضمانات للأمن أو للحياة الكريمة. في مثل هذه البيئة، تزداد احتمالات العودة إلى التصعيد أو تفجير أزمات إنسانية متجددة، بينما يفشل المجتمع الدولي في تثبيت أي مكتسبات إنسانية أو سياسية.
وأكدت الصحيفة أن المطلوب من واشنطن اليوم أكثر من مبعوثين ومطالب لعدم الخرق؛ مطلوب برنامج عمل واضح ومفصل: جدول زمني محدد لتشكيل سلطة إدارية مؤقتة بمشاركة فلسطينية، قوة أمنية دولية بصلاحيات واضحة متفاوضاً عليها مع الأطراف، خطة تمويل ملزِمة لإعادة الإعمار، وآليات مراقبة دولية لحقوق الإنسان. من دون ذلك، ستبقى الزيارات المتواصلة لمبعوثي ترامب طلقة في الهواء — تحفظ هدنةً زمنية لكنّها تُخلف فراغًا سياسياً وإنسانياً لا يطفئ جذوة الصراع في غزة.
