في زوايا مدن العالم ثمَّة مَن يتابع الأخبار بقلب عُلِّق بالوطن، ثمة "اغتراب" نَهَشَ القلوب بصمت خلال عامين من الإبادة، من الفقد والخوف والوداع.
وهنا تضع "وكالة سند للأنباء" يدها على جرح لم يندمل جَمَعَ مرارة غربة وصراع حرب أكل أفئدةً تمنَّت لو أنها طيرٌ حلَّق في سماء غزة بين حض العائلة ودفء المنزل وإن تناثر ركاماً، إلا أنه وبعد عامين من الإبادة لا تزال الهواجس تراود قلوب المغتربين، ليبقى الخوف من مكر الاحتلال سيد الموقف!
وبعد أن وضعت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة أوزارها، كان عاما الإبادة على الصحفية المغتربة نجلاء نجم في تركيا كـ"ولادة جديدة قاسية"، فمنذ اللحظة الأولى لاندلاعها، كانت تدرك أنها لن تكون عادية وستطول، ولكن ليس لهذه المدة، "وأنا وحدي، أخطو خطوات جديدة في حياتي".
وكصحفية مجبرة على ممارسة عملها في بلاد غُربة فقد كان ذلك محط انهيار وتصنُّعٍ للقوة في آن، لكن الأشد وطأة على "نجلاء" هو الخبر الذي كان أقاربها وأصدقاؤها هم عنوانه.
وتستذكر "نجم" مع مراسلة "وكالة سند للأنباء" أشد أوقاتها إيلاماً وقسوة إذ كان ذلك خلال تغطية إخبارية مُعتادة، تفاجَأتْ بعدها بدقائق أن الاستهداف كان لمنزل شقيقتها!
"الفقد الأول في الغربة"..
"كانت أختي الفقد الأول في الغربة"، بهذه العبارات وصفت "نجلاء" شعورها، تقول: "لم أكن مستعدة أبداً لمثل هذا الخبر، شعرت للوهلة الأولى أنني بحاجة أن أذهب لمستشفى قريب علِّي أرى أختي ومهجة قلبي هناك، حتى تداركت نفسي أن بيني وبينها أميال وحرب وحب كبير وفقد أكبر"..
وتستكمل ضيفتنا حديثها: "الحرب في غزة جعلتني أنظر لكل الأمور من حولي باستصغار، المشاكل مهما كبرت هي صغيرة أمام ما يحدث في غزة".
ويواجه المغتربون واقعاً أكثر صعوبة منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب الإبادة الجماعية، تقول "نجم": "كان من الوسط المحيط أناس من جنسيات متعددة بعضهم بعيد كل البعد عن القضية، وآخرون لا يدركون حقيقة ما يحدث".
وبموازاة صراع الحرب، ثمة صراع آخر يواجه "نجلاء" التي سعت لمحاججة بعض العقول ومحاولتها إثبات أحقية أهالي غزة ببلادهم لأناس لا يعرفون ماذا تعني القضية الفلسطينية، ولماذا وصل الأمر لـ7 أكتوبر، مضيفةً، "هذا لم يكن هجوماً، لقد كان استرداداً للحق".
أما عن "التجويع الممنهج" خلال عامي الإبادة، فقد كان أكثر الظروف إيلاماً نفسياً على قلب "نجم" التي أدركت أنه "ليس من العدل أن آكل شيء وأهلي لا يأكلوا، ليس من العدل أن أعيش الحياة وفوقي سماء صافية تخلو من الطائرات وتحت نفس السماء عائلات تُقصف لا تجد ما تأكله"!
"أنا صوتهم"..!
"كلها قاسية، لكن أشد ما يقتلني رؤية الناس أمام تكيات توزيع الطعام"، وهي بنت غزة التي تدرك عزة شعبها وكرمه، الذي لا يخلو فيه بيت من طعام ولا كرم ضيافة.
وتزيد:" كنت أتأمل الوجوه الملطخة بالدم هل هذه وجوه أعرفها؟ وأرصد أسماء أصدقائي خاصة الصحفيات منهنَّ".
وفي صُلب هذه المجازر كان البكاء قاسياً كسكين يُغرس في جرح ينزف ويرغم صاحبه على المضي دون توقف، أو حتى دون علاج!، كحال "نجلاء" التي فقدت الاتصال مع عائلتها 70 يوماً أثناء انقطاع الإنترنت دون أن تتوصل لطرف يطمئنها، حتى لجأت -في لحظة ضعف- للبحث عن أسمائهم في سجلات الشهداء! كالغريق الذي يبحث عن أي قشة تُنقذه.
وتختم نجلاء نجم حديثها لمراسلتنا أن "هذه القضية الأكثر عدلاً، ولا زال القطاع يعاني من إبادة صامتة القضية لم تتوقف ولم تنتهِ، أنا صوت أمي وأبي وأختي الشهيدة صوت الذي ارتقوا بسبب الجوع".
نواجه الغربة بالحديث عن البلاد.. ما زلنا نقاطع..
وكان لميساء حبوش المغتربة في السويد حِمل آخر مع طفليها، تزرع وزوجها فيهما حب الوطن والقضية الفلسطينية، تتحدث عن القضية أكثر وهي بين ثنايا مجتمع أوروبي لا يذكر القضية الفلسطينية كما يذكرها أصحابها.
تقول "حبوش" لـ"وكالة سند للأنباء"، بعد عامين من الحرب بتنا نعرف مَن معنا ومَن علينا، "مضينا في مقاطعة المنتجات الداعمة للاحتلال أنا وعائلتي حتى اللحظة، إلى أن أصبح أولادي يعرفون من تلقاء أنفسهم منتجات المقاطعة ولا يقتربوا منها".
وفرض عاما الحرب على "حبوش" أن تظهر بهذه القوة أمام أطفالها، لكنها كسيدة شابة غزيَّة، تجرعت مرار الحرب والفقد، دون أن تنسى خبر استشهاد ابن شقيقتها الذي كان بمثابة أخيها الصغير، في وقت شهدت فيه غزة انقطاع الاتصال عن العالم الخارجي.
كان شعور الفقد يسيطر على "ميساء" بشدة، لا سيّما وأن القصف الإسرائيلي المكثف والعشوائي طال كل مكان، تصف ذلك بقولها:" فكرة الفقد كانت تشكل هاجساً لدي، كنت أخشى الاتصال بإخوتي وعائلتي خوفاً من سماع أي خبر لا أقوى على تحمله".
وعن دورها في بلاد غربة لم تترك "حبوش" مكاناً زارته إلا كان الحديث عن القضية الفلسطينية أول أولوياتها، كذلك نشر الفيديوهات عن قطاع غزة، والمشاركة في المظاهرات التضامنية، والاستمرار في مقاطعة المنتجات الداعمة للاحتلال.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، انتقل الخوف من الفقد إلى الخوف على العائلة بعد أن باتت بلا مأوى، فقد دمر جيش الاحتلال منزل عائلة "حبوش"، التي باتت دون مكان يحتويها!
"ما زلتُ خائفة"..
ولا يقلل وقف إطلاق النار الجاري، خوف الشابة رولا درويش التي لم تكن تعلم أن رحلتها لإتمام الدراسات العليا في تركيا نهاية عام 2022، ستتخللها محطات من الخوف والفزع والكثير من الوداع.
وتُبدي "درويش" خوفها الذي ينهش داخلها شيئاً فشيئاً على أهلها الذين يعيشون في خيمة نزوح مهترئة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، بعد استشهاد والدها ونسف منزلهم، بالرغم من إعلان وقف إطلاق النار في القطاع.
وتُحدِّثنا ضيفتنا :"ما زالت الهواجس ترافقني لما عُوهد من مكر الاحتلال وغدره ونقضه للعهود، سيّما وأن القصف الإسرائيلي لا زال متواصلاً في بعض المناطق".
وفي حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، تقول "درويش": "الحرب غربة في غربة، فقدت صديقتي المقربة وزميلاتي وأساتذتي وأقاربي، والكارثة كانت استشهاد والدي، ثم إني أصبت بالتشتت، تركت عملي! أجلت دراستي أصبت بتوتر وانهيار، فلا يوجد غزاوي مغترب عاش مطمئناً مرتاحاً هانئاً هادئ البال خلال الحرب التي كان فيها العجز والخوف سيدا الموقف".
وتضيف: "أكثر ما يقلقني هو أن يتحول قطاع غزة إلى منطقة مُستباحة كمحافظات الضفة الغربية التي يقتحمها الاحتلال في أي وقت دون حسيب أو رقيب"!
ورغم هواجس الخوف ومرارة الغربة، تُصر "درويش" على النهوض من جديد في تركيا؛ لاستكمال خطواتها التي تعثرت بسبب الحرب، تقول:" أنا هنا حُلم أبي الذي سرقته الحرب، وصوت صديقتي خفت واختفى، ورسالة غزة التي تصرخ في وجه العالم"
