في 29 سبتمبر/أيلول 2025، طرحت الولايات المتحدة خطة من عشرين نقطة أطلق عليها إعلاميًا خطة ترامب، والتي فرضت بموجبها وقفًا لإطلاق النار في غزة، بعد عامين من حرب الإبادة الشاملة التي شنتها دولة الاحتلال الإسرائييلي.
وأشا موقع أوريان 21 الفرنسي، إلى أن الهدف المعلن لخطة ترامب هو التوصل إلى تسوية مؤقتة مقابل إطلاق سراح أسرى إسرائيليين وفلسطينيين، لكن ما يلفت الانتباه هو التشابه الكبير بين بنود هذه الخطة ومبادئ ما يعرف باللجنة الرباعية للشرق الأوسط، التي تأسست عام 2002 لتكون أداة دولية لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بعد انهيار اتفاقية أوسلو وفشل مفاوضات كامب ديفيد وطابا، وصولاً إلى أحداث 11 سبتمبر 2001 التي أعادت تشكيل أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة.
فاللجنة الرباعية، التي تضم ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، تأسست في سياق الانتفاضة الفلسطينية الثانية بهدف فرض إطار دولي على المفاوضات، بما في ذلك خارطة الطريق لعام 2003 التي كان من المفترض أن توجه الفلسطينيين والإسرائيليين نحو حلول سلمية.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت الرباعية أداةً لضمان مصالح الدول الكبرى، دون فرض ضغط حقيقي على دولة الاحتلال لوقف الاستيطان أو الانتهاكات بحق الفلسطينيين، بينما كان على السلطة الفلسطينية الاستجابة لمطالب الرباعية لضمان استمرار الدعم الدولي، بما في ذلك قبول قيود على حماس وتغييرات في القيادة الفلسطينية.
سلام وهمي دون حقوق فلسطينية
تستند خطة ترامب إلى فكرة مشابهة لما أسسته الرباعية: تحقيق ما يُعرف بـ"السلام المفروض"، أي تدخل دولي لإدارة الأزمات وإقرار تسوية سياسية دون قدرة حقيقية للفلسطينيين على تقرير مصيرهم.
وتنص الخطة على أن تحكم غزة يجب أن يتم عبر سلطة انتقالية مؤقتة، مؤلفة من لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير سياسية، تتولى الإدارة اليومية للخدمات العامة والبلديات، وتخضع لإشراف دولي بقيادة "مجلس السلام" الدولي برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع إشراك شخصيات دولية مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.
الجانب الأهم هنا هو أن الخطة لا تكتفي بالحوكمة المحلية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية نزع السلاح من فصائل المقاومة، لتصبح غزة منطقة "خالية من الإرهاب" بحسب زعمها، وهو المبدأ ذاته الذي استخدمته الرباعية منذ 2002 في فرض قيود على المقاومة المسلحة وفرض قواعد الأمن الإسرائيلي.
وتنص بنود خطة ترامب على أن مراقبين مستقلين سيشرفون على أي خطوات لنزع السلاح، ما يعكس استمرار الرؤية الأمريكية والإسرائيلية بأن الفلسطينيين ما زالوا غير جاهزين لإدارة شؤونهم الأمنية والسياسية بأنفسهم.
إعمار مشروط
الجانب الاقتصادي للخطة ليس أقل طموحًا من البعد الأمني والسياسي. خطة ترامب تدعو لإعادة بناء غزة بالكامل، وتحويلها إلى نموذج للمدن الحديثة، بما في ذلك منتجعات ساحلية دولية، وهو ما كان قد اقترحه صهر ترامب، جاريد كوشنر، في 2024، قبل أن يؤكد الرئيس نفسه في 2025 أن غزة قد تتحول إلى "ريفيرا الشرق الأوسط" أو تتفوق على موناكو.
ويطرح هذا الطموح تساؤلات حول حقوق السكان الفلسطينيين في البقاء ضمن مدنهم، في ظل مشاريع ضخمة للمدن الحديثة قد تستلزم إعادة هيكلة سكانية وتجارية واسعة.
وبينما ربطت الرباعية في السابق بين السلام والازدهار الاقتصادي، كانت مشاريعها، مثل بناء محطات معالجة مياه الصرف الصحي والمدن الصناعية، تخدم في الأساس أهداف الاحتلال الإسرائيلي وتحافظ على السيطرة على الأرض، مع تقديم دعم محدود للفلسطينيين.
وخطة ترامب، رغم التغيير الظاهر في الطابع الدولي، لا تختلف جوهريًا عن هذه الرؤية: فهي تضع الإدارة الفلسطينية تحت إشراف مباشر من شخصيات دولية وتترك للفلسطينيين مسؤوليات خدمية يومية، بينما تتحكم القوى الكبرى في السياسات الأمنية والاقتصادية العليا.
التاريخ يكرر نفسه إذًا: من الرباعية إلى خطة ترامب، تتكرر الوصفات نفسها — سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، مراقبة دولية صارمة، نزع سلاح المقاومة، مشاريع اقتصادية ضخمة تصنعها شركات دولية، وغياب أي آليات للمحاسبة أو ضمان الحقوق السياسية للفلسطينيين.
وبينما يُعلن عن "السلام" و"إعادة الإعمار"، يبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن غزة من تقرير مصيرها أم أن التاريخ يعيد نفسه بوجوه جديدة، ولكن نفس الإخفاقات، والهيمنة على قرار الفلسطينيين مستمرة؟
في النهاية، تطرح خطة ترامب نموذجًا عمليًا لـ"السلام المفروض" الذي بدأ منذ عقود مع الرباعية الدولية: نموذج يركز على الإدارة التكنوقراطية، والأمن المشروط، والتنمية الاقتصادية وفق مصالح القوى الكبرى، بينما يبقى الفلسطينيون مراقبين، لا صناعًا للسياسة، ويستمر الدرس ذاته: من غزة إلى غزة، من رباعية إلى أخرى، نفس الوصفات، ونفس الإخفاقات.
