مع كل موسم قطف للزيتون، يتحول قلب المزارع الفلسطيني إلى مأساة تتجاوز مجرد فقدان الثمار. الاحتلال والمستوطنون لم يسرقوا الزيتون فحسب، بل سرقوا الطقوس والعادات التي ترافق الموسم، محولين إيّاه إلى موسم حزين ومليء بالحرمان.
ويُعد موسم الزيتون أحد أهم مواسم الزراعة في فلسطين، إذ تعتمد عليه آلاف العائلات كمصدر رئيسي للدخل والمعيشة.
لكن وفق تقديرات ميدانية وبيانات وزارة الزراعة الفلسطينية، يعد الموسم الحالي من أضعف المواسم خلال العقود الأخيرة، إذ لا يتجاوز الإنتاج 15% من المعدل الطبيعي.
وبحسب البيانات المنشروة، فقد بلغ إنتاج فلسطين من زيت الزيتون 27,300 طن عام 2024، مقارنة بـ 10 آلاف طن عام 2023، ما يعكس تراجعًا حادًا نتيجة الاعتداءات والسياسات الإسرائيلية.
المزارع علي العورتاني من خلة وادي الشرق ورأس إبراهيم جنوب الخليل يصف الموسم الحالي بأنه "يتيم وحزين"، فهو لا يستطيع الوصول إلى أشجاره، سواء في الأراضي القريبة أو في خلة البياضة على بعد مئات الأمتار.
يحن العورتاني للطقوس القديمة التي كانت تجتمع فيها العائلة حول وجبات الطعام في البرية، والشاي والقهوة على النار، وضحكات الأطفال الذين يشاركونه جمع الحطب والثمار، قائلًا في حديث مع "وكالة سند للأنباء": اليوم، الموسم أصبح ملفوفًا بالحزن، والثمرات اليتيمة شاهدة على غياب تلك اللحظات.
مثله المزارع محمد القريوتي من قريوت جنوب نابلس الذي يروي لمراسلنا جانبًا ذكريات العائلات في موسم الزيتون، خاصة عودة المغتربين، تجهيز الأدوات، والمشاركة في نقل الثمار على ظهور الحمير.
"أين الدلاء البلاستيكية والأكياس والهدايا البسيطة لمن ينقل الثمار؟" يتساءل القريوتي بينما يشاهد المستوطنين يسرقون الزيتون ويحتفلون بوجباتهم على النار، مقلدين طقوس الفلسطينيين، لكنه يرى فيها محاولة تزوير للتاريخ والتراث.
في موسم هذا العام، لم يتمكن ضيفنا من الوصول إلى نحو 40 دونمًا مزروعة بالزيتون بسبب اعتداءات المستوطنين وحراسة جيش الاحتلال، ولم يتبق له سوى شجرتين بجوار منزله.
ويشير إلى أن حوالي 67% من أراضي قريوت استولى عليها ثلاثة مستوطنات رئيسية (شيلو، عيليه، شيفوت راحيل)، لترتفع بعد الحرب على غزة (أكتوبر/ تشرين الأول 2023) إلى 90%، ولم يتبق لأهلها سوى الأرض التي أقيمت عليها بيوتهم.
تمتد الاعتداءات والمصادرات إلى مناطق أخرى في الضفة، حيث يواجه المزارعون صعوبات مماثلة في الوصول إلى أراضيه مالواقعة تحت سيطرة المستوطنين من مفترق اللبن الشرقية وحتى حدود ترمسعيا (بين مدينتي نابلس ورام الله)، حيث يسوق المستوطنون منتجات الزيتون باسم "زيت الأرض المباركة" بأسعار باهظة، وفق خبراء الاستيطان.
في هذه المنطقة، يشكو المزارعون من صعوبة الوصول لأراضيهم ومخاطر السرقة والاعتداءات اليومية التي تحرمهم من موسم الزيتون، وتقلل من الإنتاج المحلي.
في شمال نابلس أيضًا، يواجه المزارعون قيودًا صارمة، إذ لم يتمكن سامي دغلس، رئيس المجلس القروي الأسبق لبلدة برقة، من قطف الزيتون بسبب الاعتداءات المستمرة من المستوطنين، الذين ينظمون دوريات حراسة تمنع وصول المزارعين إلى أراضيهم.
ويلخص دغلس في حديثه مع مراسلنا الواقع الذي يعيشه في ظل إرهاب المستوطنين: "السرقات والاعتداءات اليومية جعلت الموسم موسم جحيم.. الحزن بات يلاحق الأشجار قبل ملاحقة أصحابها".
الاعتداءات مستمرة على المزارعين
السلوك المستمر للمستوطنين لم يقتصر على سرقة الثمار، بل شمل ملاحقة المزارعين، هدم الأشجار، وخلق أجواء مرعبة باستخدام تراكتورات وجنود.
ويعكس ارتفاع عدد الاعتداءات على مواسم الزيتون خطورة الموقف، حيث تمثل هذه الأشجار عصب الاقتصاد الريفي الفلسطيني. ففي أكتوبر 2025 وحده، وثقت الأمم المتحدة أكثر من سبعين اعتداء خلال أسبوع الحصاد، نصفها تقريبًا استهدف قاطفي الزيتون بشكل مباشر.
وما يبدو كصدام موسمي هو في الحقيقة آلية منهجية لتفريغ القرى الزراعية وضرب مصدر رزقها الأساسي، وتقويض القدرة على الاستمرار في الأرض.
ويُجمع المزارعون أن الموسم تحول إلى أداة قهر وظلم، يزول معها طقس القطف التقليدي، الذي كان مناسبة للتلاحم الأسري والمجتمعي، بينما يحاول المستوطنون تزييف هذه الطقوس لصالحهم.
التأثير الثقافي والاجتماعي على طقوس الموسم ..
لا يقتصر الضرر على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى الجانب الثقافي والاجتماعي، فالطقوس التي كانت تجمع العائلات والأصدقاء، مثل وجبات المسخن على النار، الشاي والقهوة، اللعب والتنافس على نقل الثمار، أصبحت مفقودة أو مشوهة، بينما يحاول المستوطنون تقليد تلك الطقوس لصناعة تاريخ مزور لا يمت لهم بصلة.
ويشدد ضيوف سند على أهمية التكاتف والمساندة بين العائلات، حيث تمثل الكثرة بنظرهم، رادعًا أمام سرقات المستوطنين، وتحافظ على استمرارية الطقوس رغم الظروف القاسية.
وتشير إحصاءات مجلس الزيت الفلسطيني إلى أن الاحتلال أعدم أكثر من مليون شجرة زيتون منذ 1967، أبيد منها ربع مليون شجرة خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، بالإضافة إلى منع المزارعين من الوصول إلى 40 ألف دونم خلف الجدار خلال 2023، تحتوي على مليون شجرة تشارك بنسبة 20% من الناتج العام.
