تحتجز سلطات الاحتلال الإسرائيلي عشرات المواطنين من قطاع غزة بشكلٍ معزول داخل سجن تحت الأرض يُعرف مجمعًا باسم "راكيفيت"، حيث تُحرمهم من ضوء النهار، وتقلّص حرياتهم إلى حدٍّ يوازي الإهمال والتعذيب بحسب إفادات محامين ومنظمات حقوقية.
ومن بين المحتجزين ممرضة تقول إنها لم ترَ الضوء الطبيعي منذ يناير/كانون الثاني، ومراهق أمضى تسعة أشهر في زنزانةٍ تحت الأرض قبل أن يُفرج عنه لاحقاً.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة الغاريان البريطانية، افتُتح سجن راكيفيت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي لاحتجاز عناصر من الجريمة المنظمة، وأُغلق لاحقًا لاعتبارات إنسانية.
لكن بعد هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصدر وزير الأمن اليميني المتطرف إيتامار بن غفير قرارًا بإعادة تشغيل السجن المذكور، حيث الزنازين وساحة التمارين وقاعة اجتماعات المحامين كلها تقع تحت الأرض، مما يحرم المساجين من أي ضوء طبيعي.
وفق بيانات حصلت عليها اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في دولة الاحتلال الإسرائيلي (PCATI)، فقد احتُجز في المجمع ما يقرب من 100 معتقل في الأشهر الأخيرة، رغم أن المؤسسة صُممت أصلاً لعددٍ محدودٍ من النزلاء ذوي الحراسة القصوى.
حالات مدنية بلا تهم واضحة
تروي ملفات محاميَي اللجنة قصص مدنيين اعتُقلوا دون توجيه لوائح اتهام واضحة أو خضوع للمحاكمة:
ممرضة عمرها 34 عامًا اعتُقلت أثناء دوامها في مستشفى في ديسمبر/كانون الأول 2023، ونُقلت إلى راكيفيت في 21 يناير/كانون الثاني. منذ ذلك التاريخ لم ترَ ضوء النهار وما زال تواصلها مع العائلة منقطعًا.
شاب يعمل بائعًا للطعام، اعتُقل في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عند نقطة تفتيش، محتجز منذ أشهر دون محاكمة.
ووصف المحامون الذين زاروا السجن في سبتمبر/أيلول حالات المعتقلين فيه بأنها "مدنية بامتياز" وأن اعتقالهم يتم استنادًا إلى جلسات سريعة عبر الفيديو لا يُعرض فيها دليل ولا يتواجد محامٍ، مع قرارات قضائية تقضي ببقائهما "حتى انتهاء الحرب".
أوصاف الانتهاكات وظروف الاحتجاز
أفاد المحامون بأن المعتقلين تعرضوا لاعتداءات بدنية متكررة تضمنت الضرب واستخدام كلاب مزودة بأقنعةٍ حديدية، بالإضافة إلى حرمان متكرر من الرعاية الطبية وحصص غذائية متدنية.
وصف المعتقلون زنزانات بلا نوافذ ولا تهوية، واحتجازًا لثلاثة أو أربعة أشخاص في زنزانة ضيقة، مما أدى إلى مشاعر اختناق ومشكلات تنفسية.
وقد أُخذت من السجناء الفرش صباحًا وعُيّنت لهم فترات خروج محدودة للغاية — أحيانًا خمس دقائق كل يومين — بينما تُترك الزنازين على هياكل حديدية فارغة طوال النهار. وصفت اللجنة تلك الأوصاف بأنها "تنتهك القانون الإنساني الدولي وتصل إلى حد التعذيب".
وقال تال شتاينر، المدير التنفيذي للجنة الحقوقية إن الاحتجاز تحت الأرض له "تداعيات خطيرة" على الصحة النفسية والبدنية، ويعرّض الإيقاعات البيولوجية الأساسية للخطر مثل النوم وإنتاج فيتامين د.
إجراءات قانونية محدودة وصمت رسمي
أُجريت زيارات المحامين ضمن قيودٍ شديدة: التقيَا الممرضة ومواطنًا آخر في غرفة محامين تحت إشراف حراس مسلحين، وكان للكاميرات حضور يقيد خصوصية اللقاءات.
كما حُذّر المحامون من المحادثة حول عائلات المعتقلين أو الحرب. عند سؤال مصلحة السجون، قالت إن عملها "يتم وفق القانون وتحت إشراف مراقبين رسميين"، فيما أحالت وزارة العدل والجيش الأسئلة بينهما.
في جلسات الاستماع القصيرة عبر الفيديو، لم يُسمح بوجود محامين، وصدرت أوامر احتجاز بدعوى "طالما أن الحرب مستمرة"، بحسب إفادات المحامين.
وتشير بيانات سرية إلى أن غالبية الفلسطينيين الأسرى من غزة خلال الحرب هم مدنيون، وتُثير ممارسات مثل احتجاز الجثث أو استخدام المحتجزين كورقة تفاوض اتهاماتٍ من منظمات حقوقية بانتهاكات ممنهجة.
ويعكس موقف بن غفير وتأكيده على أن راكيفيت "مكان طبيعي للإرهابيين" تصعيدًا خطابيًا يُبرر سياسات قمعية، بحسب حقوقيين.
ويختتم محامو اللجنة تحذيرهم من أن استمرار احتجاز المدنيين في ظروفٍ حربٍية ومعزولة قد يُلحق ضررًا دائمًا بصحة المحتجزين ويشكّل خرقًا واضحًا للقانون الدولي، ويدعون إلى تحقيق مستقل وشفاف يضمن إمكانية محاكمة نزيهة أو الإفراج الفوري عن المحتجزين الذين لا تَدينهم أدلة.
لقراءة نص التحقيق كاملا في صحيفة الغارديان اضغط هنا
