الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 5 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

الأسبستوس.. سمٌّ صامت يطارد سكان غزة بين ركام المنازل المدمّرة

حجم الخط
الأسبستوس.. سمٌّ صامت يطارد سكان غزة بين ركام المنازل المدمّرة
غزة - وكالة سند للأنباء

في الأزقة المنهكة بمدينة غزة، حيث تحوّلت الشوارع إلى ممرّات من الغبار والحجارة المتفحّمة، لم يعد الخطر مقتصرًا على القصف الذي دمّر الأحياء وغيّر ملامحها.

فبعد أن هدأت أصوات الانفجارات، بقي في الهواء ما هو أخطر: غبار رمادي يحمل ألياف الأسبستوس القاتلة، يتنفسه السكان والعاملون في إزالة الأنقاض دون أن يدركوا حجم التهديد الذي يختبئ داخله.

ورغم التحذيرات الصحية والبيئية، ما يزال كثيرون يجهلون أن استنشاق هذا الغبار قد يقود إلى أمراض سرطانية وتنفسية خطيرة، تظهر آثارها بعد سنوات طويلة، كقنبلة مؤجلة تستقرّ في الرئتين بصمت.

ما هو الأسبستوس؟ العدو الخفي في الهواء

الأسبستوس ألياف معدنية استخدمت لسنوات طويلة في مواد البناء والعزل الحراري بفضل قدرتها على مقاومة الحرارة والشد والمواد الكيميائية.

وتدخل هذه المادة في منتجات تتراوح بين ألواح الأسقف وأنابيب المياه إلى قطع السيارات ومعدات مكافحة الحرائق.

وتُقدّر الأمم المتحدة حجم الأنقاض التي خلّفها العدوان بأكثر من 60 مليون طن، وهو رقم يفوق ما تم رصده في مناطق نزاعات أكبر مساحة.

وتشير تقديرات أممية إلى أن عملية إزالتها قد تستغرق أكثر من عقدين، وبتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار.

لكن المشكلة ليست في الكمية وحدها، بل في النوع. فبين الركام توجد مئات الآلاف من الأطنان من الأسبستوس الذي تحوّل بفعل القصف إلى ألياف دقيقة جدًا، لا تُرى بالعين المجردة، وتمتزج بهواء الأحياء السكنية بسهولة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن جميع أنواع الأسبستوس تُعد مواد مسرطنة بدرجة عالية؛ أخطرها الكريسوتيل (الأسبستوس الأبيض) المستخدم في الأسقف الخفيفة المنتشرة في غزة، وتشمل الأمراض الناتجة عنه: سرطان الرئة، ورم المتوسطة، سرطان الحنجرة والمبيض، والألياف الرئوية.

في طريق البحث عن بيته عثر على سمّ في الهواء

بعد توقف القصف الأخير، عاد فارس الحويطي (42 عامًا) إلى منزله المدمّر بحثًا عن أي أثر لعائلته وسط الركام. كان البيت قد انهار بالكامل، ولم يتبقَّ منه سوى ألواح الأسبستوس المفتتة وغبار كثيف يغطي المكان.

يقول فارس لـ "وكالة سند للأنباء": "لما رجعت إلى داري، كان الأمر أشبه بزيارة قبر البيت… كنت أزيح الحجارة بيدي دون أن أعرف أن الهواء نفسه كان عدونا."

بلا قفازات أو كمامات، عمل فارس وأبناؤه ثلاثة أيام متتالية في إزالة أجزاء من الركام، قبل أن تبدأ الأعراض بالظهور: سعال جاف، وخز في الصدر، وضيق تنفس.

وبعد الفحوصات، تبيّن أن العائلة استنشقت ألياف الأسبستوس التي بقيت عالقة في الهواء.

يحكي لنا فارس فارس وهو يتنهد: "كنا نظن أن الخطر ينتهي بانتهاء القصف، لكن اكتشفنا أننا كنا نخطو على سمّ يتطاير في الهواء."

الأطباء الذين عاينوا العائلة أكدوا أن ما ظهر هو البداية فقط، فالتعرض للأسبستوس قد يقود إلى: سعال مزمن، صعوبات تنفسية، والتهابات صدرية متكررة

ويمكن أن تتطور هذه الأعراض، بعد سنوات من التعرض المتكرر، إلى أورام سرطانية أو تليّف رئوي.

تحذيرات ومخاوف تتزايد

يقول أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية بغزة عبد الفتاح عبد ربه إن تفجير المنازل حوّل ألواح الأسبستوس إلى ألياف لا تُرى، تعلق بالهواء بسهولة وتدخل الجهاز التنفسي دون أن يشعر بها أحد.

ويشير في حديثٍ لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن غياب التحاليل البيئية المتخصصة وانعدام معدات الحماية يزيد من خطورة الوضع.

ويحثّ الأهالي على تجنّب الوصول إلى الركام دون كمامات وملابس واقية، والتعامل مع بقايا الأسبستوس في أكياس محكمة الإغلاق، وغسل الوجه واليدين جيدًا بمواد معقّمة بعد الانتهاء من تنظيف المنازل.

ومع غياب الإمكانات وانعدام البدائل، دعا عبد ربه إلى تدخل دولي عاجل لفحص المناطق الملوثة وتوفير معدات السلامة للسكان والعاملين.