بين خيامٍ مبتلّة وبقايا بيتٍ هدمته الحرب، تجلس الحاجة رضا عليوة (أم محمد)، الستينية القادمة من حي الشجاعية، تحمل على كتفيها وجعًا لا يحتمله قلب واحد.
الناجية من خمس عشرة رحلة نزوح، ومن تحت ركام القصف، ومن خيمة سقطت فوق أجساد عائلتها، لم تنجُ من الفقد… لكنها بقيت واقفة.
فقدت أبناءها وبناتها وأحفادها واحدًا تلو الآخر، وكلما انطفأت شمعة من بيتها، كانت تشدّ على قلبها وتقول: "الحمد لله على ابتلائه".
ومع كل مصاب، كانت تتقدم خطوة أخرى نحو قدر لم تطلبه، لكنها حملته.. تربية 36 حفيدًا تركهم الشهداء خلفهم، ليجدوا في حضنها وطنهم الأخير.
ولأن اسمها "رضا"، فقد كان لها من اسمها نصيب؛ رضيت بما نزل، ووقفت على أنقاض بيتها لتبدأ من جديد.
كانت الحاجة رضا تعيش في حي الشجاعية شرقي غزة، وسط بيوت يسكنها أولادها الخمسة المتزوجون قربها، لم تتخيل يومًا أن تُقتلع العائلة من جذورها، لكن الحرب دفعتهم للنزوح 15 مرة بحثًا عن مكان آمن لا وجود له.
تقول في حوار شجي مع "وكالة سند للأنباء": "تركنا بيوتنا.. تركنا كل شيء. وما ظل غير الخيمة والمشي على الطرقات".
المأساة الأولى.. عائلة كاملة تُمحى في لحظة
أول الصدمات الكبرى جاءت في يونيو/ حزيران 2024، حيث كان أحد أبنائها نازحًا في مواصي خانيونس. سقطت قذيفة بجوار خيمته فاستشهد هو وزوجته وأطفاله الثمانية. كانت تلك أولى الصدمات، وأول دمعة فقد على أولادها.
وفي 8 سبتمبر/ أيلول 2025، خرج ابنها الأكبر محمد إلى سوق الساحة قرب مستشفى المعمداني وسط المدينة، ليجلب ما تيسّر للعائلة. قصف الاحتلال السوق، واستشهد محمد بين عشرات المواطنين.
تحكي الأم المكلومة: "محمد كان ابني البكر، وحنون كتير، فُقدانه كان بمثابة انكسار كبير لقلبي، بس قلت الحمد لله.. ترك 10 أطفال وزوجة حامل".
ثم بعد أربعة أيام فقط من عزاء محمد، كانت ضيفتنا تجلس مع بقية أولادها وأحفادها في خيمة على شاطئ غزة.
فجأة بدأت الزوارق الحربية تقصف، ثم لحقتها الطائرات، لم يجد الناس مكانًا يهربون إليه، وجاء الصاروخ، فوق الخيمة مباشرة.
تستذكر هذه اللحظات بألم كبير: "صحيت في المستشفى.. لقيت زوجي جنبي. سألت عن أولادي واحد واحد، وكل مرة كان يقولون لي: استشهد.. كأنه عقد وانفطر مرةً واحدة".
إذ استشهد في ذلك القصف: محمد، محمدين، عزات، رشا، ونائلة، وعدد من أحفادها، ولا تملك الحاجة رضا في هذا الموطّن إلا التسليم لقضاء الله رغم الخسارة الفادحة التي مُنيت بها.

خرجت من المستشفى.. لتُربي الأيتام
رغم إصاباتها، خرجت الحاجة رضا من المستشفى على مسؤوليتها كي لا يُترك أحفادها بلا سند، نزحت مع الأطفال سيرًا على الأقدام إلى النصيرات وسط قطاع غزة، وباتت ثلاث ليالٍ في العراء.
كان الأطفال يعانون من البرد والاستفراغ، حتى أواهم أحد المواطنين داخل قطعة أرض وجلب لهم خيمة، وبعد 10 أيام ومع وقف إطلاق النار، عادت إلى غزة.

حياة فوق ركام البيت المهدوم
اليوم، تعيش الحاجة رضا فوق ركام بيتها في الشجاعية داخل خيمة صنعتها من حديد وقطع قماش. استخرجت ما يمكن إنقاذه من فراش مهترئ، ويعيش أحفادها في برد لا يرحم، وفي المنخفض الأخير غرقت الخيمة بالكامل.
تقول الحاجة رضا: "أيام المنخفض كانت أسوأ من أيام استشهاد أولادي.. وقفت قدام أحفادي عاجزة، ما قدرت أعمل شيء" مشيرةً إلى أنّ زوجها رجل كبير في السن ما يزيد عبء المسؤولية عليها لتربية جيل جديد بعد أن فقدت جيلًا كاملًا.
قصة رضا وأحفادها ليست حالة فردية؛ فهي جزء من مأساة أوسع تشهدها غزة اليوم؛ إذ يعيش جيل كامل من الأطفال دون أب أو أم أو كلاهما بعد أن قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية وشتت شملهم.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى ارتفاع عدد الأيتام في القطاع إلى نحو 57 ألف طفل، بعد فقدان أربعين ألفًا منهم أحد والديهم أو كليهما، فيما بقي بعضهم وحيدًا تمامًا، في أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث.



