أكدت صحيفة الغارديان البريطانية أنه رغم إعلان وقف إطلاق النار، إلا أن مصطلح "الهدنة" بات يخلق وهمًا خطيرًا بأن الحياة تعود إلى طبيعتها بالنسبة للفلسطينيين المحاصرين داخل ما تبقى من أراضي قطاع غزة، أي الـ 42% المحصورة خلف “الخط الأصفر” الذي فرضته دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وسلطت الصحيفة الضوء على استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن بوساطة الولايات المتحدة في وقت تتفاقم الأزمة الإنسانية ويزداد البؤس في كافة مجالات الحياة.
وأشارت الصحيفة إلى حالة جمعة وفادي أبو عاصي، البالغان تسعة وعشرة أعوام، وكانا يجمعان الحطب لتدفئة خيمتهم في خان يونس، حيث اعتقد والداهما أنهما في مأمن، فوقف إطلاق النار كان مُعلنًا بالفعل.
وقد كانت والدتهما هالة تُحضّر الشاي حين دوّى انفجار صاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية مُسيّرة. هرعت إلى الموقع، لكنها وجدت طفليها جثتين هامدتين.
وأبرزت الصحيفة أنه منذ إعلان الهدنة في 10 أكتوبر/تشرين الأول بوساطة أمريكية، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 360 فلسطينيًا، بينهم ما لا يقل عن 70 طفلًا، وفق مسؤول أممي.
وقالت هالة: "استشهدا في وقت كان من المفترض أن يتوقف فيه سفك الدماء". وتضيف: "ما زلت أسمع الانفجارات. لا أشعر أن الحرب انتهت".
معدل قتل يومي في غزة
رغم تراجع عدد الشهداء مقارنة بالعامين السابقين، لا يزال سبعة فلسطينيين يُقتلون يوميًا في المتوسط – وهو معدل يساوي صراعًا نشطًا في أي منطقة أخرى بالعالم.
وقال دانييل ليفي، المفاوض الإسرائيلي السابق ورئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط: "يمكنك أن تسميه وقفًا لإطلاق النار إن كنت ترغب بذلك. إنه مريح للأمريكيين وكل من يريد إبعاد الحرب عن شاشات التلفزيون".
وأضاف: "إنه مريح لإسرائيل أيضًا. لقد دمّروا المكان تمامًا وما زالوا قادرين على القتل كما يشاؤون".
وتؤكد منظمة العفو الدولية أن دولة الاحتلال لا تزال ترتكب جرائم إبادة جماعية، وأن مصطلح "الهدنة" يمنح انطباعًا زائفًا بعودة الحياة الطبيعية.
"الخط الأصفر": واقع تقسيمي جديد
يستهدف الجيش الإسرائيلي كل من يقترب من "الخط الأصفر" الذي انسحب إليه وفق الهدنة.
في الخريطة الأصلية، كان من المفترض أن تحتل دولة الاحتلال 53% من القطاع، لكنها وسّعت سيطرتها إلى 58% بعد رسم الحدود من طرف واحد.
وتفرض سلطات الاحتلال تقسيم جديد يتبلور على الأرض: “المنطقة الخضراء”: تحت سيطرة إسرائيلية وقوات دولية، ومخصصة لإعادة الإعمار، فيما “المنطقة الحمراء”: ما تبقّى للفلسطينيين، مناطق رملية قاحلة مدمّرة بالكامل.
ووفق تحليل مؤسسة "فورنسيك أركيتكتشر"، فإن معظم الأراضي الزراعية الخصبة أصبحت ضمن السيطرة الإسرائيلية، بينما يُحاصر السكان في مناطق فقيرة الموارد.
خطط غامضة واتفاقات معلّقة
المرحلة التالية من خطة وقف إطلاق النار – الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ونشر قوة استقرار دولية برئاسة "مجلس سلام" يقوده ترامب، ولجنة تكنوقراط فلسطينية – بقيت غامضة وغير قابلة للتنفيذ حتى الآن.
إذ تفرض دولة الاحتلال التقدم في العملية قبل استعادة جميع جثث الأسرى، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية بالكامل.
وتشير التقارير إلى أن أي قوة دولية مرشحة لنشر قواتها ليست مستعدة لخوض صراع مباشر مع المقاومة من أجل مصادرة السلاح.
أما برنامج تدريب الشرطة الفلسطينية في مصر والأردن، فلا يزال غير واضح المصير، إذ لا توجد سلطة تدير غزة، ودولة الاحتلال ترفض أي وجود ذي طابع وطني فلسطيني.
مستوطنات مؤقتة… تتحول إلى دائمة
بنت دولة الاحتلال مواقع خرسانية على طول “الخط الأصفر”، ووسّعت نطاق إطلاق النار حولها.
وفي المناطق التي تسيطر عليها، تواصل تدمير الأحياء، رغم التعهد بإعادة الإعمار.
وتتخيل الخطط الأمريكية والإسرائيلية إنشاء مخيمات مسيّجة بدل إعادة بناء المدن الفلسطينية، تُسمّى “المجتمعات الآمنة البديلة”، وهي في الحقيقة مخيمات لاجئين بوحدات جاهزة ومراحيض مشتركة فيما سيخضع سكان هذه المخيمات لتدقيق صارم في الهوية.
كارثة إنسانية بلا أفق
يعيش 2.2 مليون فلسطيني في 42% فقط من مساحة غزة حيث تسعة من كل عشرة بلا مأوى، و81% من المنازل دُمّرت أو تضررت بشدة.
بموازاة ذلك فإن الشتاء يزيد المأساة، حيث أغرقت الأمطار المخيمات، وانهارت الخيام، وتدفقت مياه الصرف الصحي، مما زاد المخاوف من تفشي الأمراض.
وقال جوناثان كريكس من منظمة اليونيسف الدولية: "نخشى تفشي الأمراض المنقولة بالمياه، بما فيها الكوليرا. حالات الإسهال الحاد ارتفعت بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية".
وبعد الهدنة، ارتفع متوسط شحنات المساعدات من 91 إلى 133 شاحنة يوميًا، وتضاعفت الشحنات التجارية أربع مرات تقريبًا.
وقد انخفضت الأسعار قليلًا، لكن معظم الفلسطينيين لا يستطيعون شراء أي شيء بعد عامين من فقدان الدخل، ويعتمدون بالكامل على المساعدات.
لقراءة نص التقرير كاملا في صحيفة الغارديان أضغط هنا
