تمشي مسنة فلسطينية ببطء على الأرض التي عشقها عمرها كله، عكازها يصدر صريرًا خفيفًا مع كل خطوة، كأنه يشهد على ثقل السنين التي حملتها على كتفيها، تجاعيد وجهها تحكي عن حياة مليئة بالكد والتعب، عن سنوات من العمل في الأرض، عن شمس صيفية حارقة وأمطار غزيرة لا توقفها، وعن أيدي تشققت من العناية بالأشجار والحقول، كل تجعيدة في وجهها تحمل قصة، وكل حركة لها تروي صمودها أمام ما أصاب الأرض من ظلم واعتداء.
عيناها تتجهان نحو أرضها التي لطالما احتضنت الزيتون، وعقلها يعيد صور سنين العمر التي قضتها تزرع وتعتني وتحرس ما هو ملكها، لكن النظر إلى ما تبقى من الأرض اليوم يملأ قلبها بالوجع، عكازها يبدو وكأنه يحمل معها عبء كل السنين، ويدها التي تضعها على قلبها، تعبير صامت عن ألم عميق، عن فقدان ما هو أغلى من أي شيء آخر، وعن رؤية حلم العمر يُنهب من أمام عينيها بلا رحمة، على يد الاحتلال والمستوطنين الذين لا يتركون للسنوات حقها في الصمود.
وتتعرض الأراضي الفلسطينية بشكل مستمر لهجمات واعتداءات من الاحتلال والمستوطنين، خاصة في الحقول وأشجار الزيتون التي تمثل حياة الفلسطينيين وكرامتهم. في كل موسم، يحاول الاحتلال اقتلاع الأشجار ونهب الحقول وتهجير أصحابها.
وسجلت منذ السابع من أكتوبر 2023، نحو 7154 اعتداء على المواطنين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، أسفرت عن استشهاد 33 مواطنًا، وإلحاق أضرار بأكثر من 48728 شجرة، منها 37237 شجرة زيتون، بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
"تعبنا وشقانا"..
تقول االحاجة الفلسطينية أم مجدي وعيناها تتجهان نحو أرضها البعيدة، التي طالما اعتنت بها، وضعت يدها على قلبها، ودموعها تنهمر بينما تبدأ بالكلام بحسرة لا تخفيها: "إحنا اللي تعبنا وشقينا كل عمرنا، رزقنا اللي عملناه راح، وجاؤوا اليهود وأخذوا كل شيء، أرضي أغلى من روحي ومن أولادي، يا ليتنا متنا قبل أن نراهم هنا، يا أرضنا الحبيبة."
وتابعت، والصوت يرتجف بين الحزن والبكاء في مقابلةٍ مصوّرة تابعتها "وكالة سند للأنباء"، "قضينا عمرنا ونحن نعمر، نزرع ونعتني ونحمي، وكل ما تعبنا فيه ذهب الآن، تعبنا وشقانا أصبح في يد غيرنا، وما عاد لنا إلا الذكرى والوجع."
تصاعد الاعتداءات على قاطفي الزيتون..
نفّذ جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون منذ بداية موسم قطف الزيتون أكثر من 340 اعتداءً ضد المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وفق ما أكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان.
وأوضح شعبان أن هذه الاعتداءات شملت الاعتداء الجسدي والعنيف، وحملات الاعتقال، وتقييد الحركة، ومنع الوصول للأراضي، والترهيب وإطلاق النار المباشر، وتم رصد 62 اعتداءً نفذه الجيش و278 اعتداءً نفذه المستوطنون في مناطق متفرقة بالضفة الغربية.
وتوزعت الانتهاكات جغرافيًّا على النحو التالي: محافظة رام الله 107 اعتداءات، نابلس 94 اعتداء، والخليل 38 اعتداء.
وتم تسجيل 92 حالة تقييد حركة وترويع المزارعين، و59 حالة اعتداء وضرب. وأدى ذلك إلى تخريب نحو 1200 شجرة زيتون منذ بداية الموسم، ما يجعل هذا الموسم الحالي من أصعب المواسم خلال العقود الأخيرة.
وأشار تقرير وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن إنتاج الزيتون هذا العام بلغ 27 ألفاً و300 طن فقط، أي ما يعادل 15% من المعدل الطبيعي، في ظل استمرار اعتداءات الاحتلال والمستوطنين التي تطال أراضي الفلسطينيين وموسم رزقهم الأساسي.
