تعيش عائلات الأسرى الفلسطينيين حالة من القلق والترقّب المتصاعد، في ظل عودة ملف إعدام الأسرى إلى واجهة المشهد السياسي الإسرائيلي، بعد مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون يتيح تنفيذ عقوبة الإعدام بحق أسرى فلسطينيين، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ عقود، وتهدد بتحويل السجون إلى ساحات قتل مشرعنة بقوة القانون.
وبين شهادات عائلات تنتظر الفرج منذ سنوات طويلة، وتحذيرات حقوقية من تداعيات إنسانية وقانونية غير مسبوقة، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة من التصعيد المنهجي ضد الحركة الأسيرة، تتجاوز القمع اليومي إلى استهداف مباشر للحق في الحياة.
وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق، الشهر الماضي، بالقراءة الأولى على مشروع قانون إعدام الأسرى، بأغلبية 39 صوتًا مقابل 16 معارضًا، بدفع من أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب "القوة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، الذي لا يتوقف عن الدعوة العلنية لتنفيذ الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين.
وفيما يخص كيفية تنفيذ حكم الإعدام، لا يزال مشروع القانون في مراحل التشريع الأولى داخل الكنيست الإسرائيلي، ولم تُصدر حتى الآن نصوص تنفيذية نهائية تحدد الإجراءات القضائية أو طريقة التنفيذ بشكل محدد.

وتشير المناقشات إلى أن أحد الخيارات المطروحة لتنفيذ العقوبة هو الحقنة القاتلة، لكن التفاصيل النهائية لم تُحسم بعد، ويجري العمل على المشروع قبل عرضه للتصويت في القراءتين الثانية والثالثة.
ويثير هذا القانون قلق منظمات حقوقية، التي تعتبر أي خطوة لإعدام أسرى فلسطينيين انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان، خصوصًا في ظل غياب ضمانات العدالة ووجود خطر تحويل هذه العقوبة إلى أداة انتقام سياسي داخل السجون.
وتؤكد الجهات الحقوقية أن هذا القانون، إذا نُفذ، سيشكل سابقة خطيرة بحق الأسرى الفلسطينيين، ويمثل خرقًا فاضحًا لمعاهدات جنيف بشأن المعاملة الإنسانية للأسرى.
صدمة وأمل لا ينقطع
وسط هذا المشهد القاتم، تترقب عائلات آلاف الأسرى مصير أبنائها مع كل يوم يمضي، في ظل تصاعد الانتهاكات بحقهم، والتي أفضت بالفعل إلى استشهاد عشرات الأسرى خلال العامين الأخيرين، حتى قبل إقرار هذا القانون.
الشيخ المسن صالح جرار، والد الأسير إسلام جرار من مدينة جنين شمال الضفة الغربية، يصف وقع الحديث عن قانون إعدام الأسرى على عائلته بالصادم، مؤكدًا أن هذا القانون أعاد فتح جرح لم يندمل منذ أكثر من عشرين عامًا من الأسر.
واعتُقل إسلام جرار (53 عامًا) في 26 آب/ أغسطس 2002، وحُكم بتسعة مؤبدات وسبع سنوات، بتهمة مقاومة الاحتلال، ويقبع اليوم في العزل الانفرادي، وسط ظروف قاسية أفقدته نحو 20 كيلوغرامًا من وزنه.

ورغم كل ذلك، يقول والده لـ "وكالة سند للأنباء" إن معنويات نجله ما زالت مرتفعة، ويقضي وقته في قراءة القرآن والتعليم داخل السجن، وقد أنهى دراساته العليا ودرّس عددًا كبيرًا من الأسرى، حتى اعترفت به بعض الجامعات الفلسطينية أستاذًا معتمدًا.
وعن قانون الإعدام، يقول الشيخ جرار: "نحن متوكلون على الله، ونأمل ألا يُطبّق هذا القانون.،وإن نال ابني الشهادة داخل السجن، فهذا قضاء الله وقدره، لكن الجريمة تبقى جريمة".
ويوجّه نداءً إلى شعوب العالم والمؤسسات الدولية والحقوقية، مطالبهم بالتحرك العاجل لوقف ما وصفه بالقرار الإجرامي غير الإنساني، مؤكدًا أن إعدام أسرى أمضوا عشرات السنين في السجون "جريمة لا يمكن القبول بها أو تبريرها".
الخطر قائم منذ بداية الحرب
بدورها، تعبّر إسلام العمارنة، زوجة الأسير أسامة حماد من مخيم قلنديا، عن مخاوفها المتزايدة في ظل تصاعد الإجراءات العقابية بحق الأسرى، مؤكدة أن الخطر لم يبدأ مع الحديث عن القانون، بل منذ اندلاع الحرب، حيث تحولت السجون إلى بيئة قاتلة.
وتشير في حديثٍ مع مراسلتنا إلى أن الأخبار المتداولة حول إعدام الأسرى تزيد من حالة القلق، خاصة في القضايا الثقيلة.

وتؤكد أن الأسرى يعيشون اليوم بين خيارين: الإعدام البطيء داخل السجون أو الإعدام القانوني العلني.
وتعبّر العمارنة عن استيائها من أداء المؤسسات الدولية، خصوصًا "الصليب الأحمر"، مشيرةً إلى أنّه "لا يقوم بدوره كما ينبغي تجاه الأسرى".
وتطالب العمارنة المؤسسات الحقوقية والإنسانية بالتحرك الجاد لإنقاذ الأسرى، مؤكدةً أن الإجراءات العقابية بحق الأسرى ما زالت مستمرة حتى بعد وقف الحرب.
معارضة داخلية إسرائيلية
ورغم الدعم الواسع الذي يحظى به المشروع داخل أوساط اليمين المتطرف، إلا أنه واجه اعتراضات داخلية غير مسبوقة، شملت جهات مهنية وحقوقية إسرائيلية.
فقد حذّرت نقابة الأطباء الإسرائيلية من خطورة إشراك الطواقم الطبية، ولو بشكل غير مباشر، في تنفيذ أحكام إعدام، معتبرة ذلك انتهاكًا صارخًا لأخلاقيات المهنة، التي تقوم على حفظ الحياة لا إنهائها، ومخالفة للمواثيق الطبية الدولية.
كما عبّر قانونيون وأكاديميون إسرائيليون عن خشيتهم من أن يؤدي القانون إلى نسف ما تبقى مما وصفوه "استقلالية القضاء"، وتحويل المحاكم إلى أدوات سياسية بيد الحكومة.

قانون عنصري وجريمة حرب
بدوره، يؤكد مدير مركز فلسطين، رياض الأشقر، أن قانون إعدام الأسرى "عنصري بامتياز"، إذ يستهدف الأسرى الفلسطينيين فقط، ولا يُطبق على المعتقلين الإسرائيليين، رغم ارتكابهم جرائم قتل بحق الفلسطينيين.
ويوضح الأشقر في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن القانون يتضمن بندًا خاصًا يمكن وسم الأسير الفلسطيني به، وهو أن يكون الفعل "ضد نهضة الشعب اليهودي على أرض إسرائيل"، وهو بند لا ينطبق على المعتقل الإسرائيلي حتى في حال قتله فلسطينيين.
وأشار إلى أن القانون، في حال إقراره، قد يُطبق على الأسرى الجدد المدانين بعمليات مقاومة أدت إلى مقتل جنود أو مستوطنين، إلا أن هذا الأمر غير ثابت، وقد يُعدّل لاحقًا ليشمل أسرى قدامى، خاصة في ظل وجود وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير وسعيه الحثيث لإقرار القانون.
وشدد الأشقر أن أي طريقة يعتمدها الاحتلال لإعدام الأسرى تُعد جريمة حرب ومخالفة صريحة للقوانين والمعاهدات الدولية.

ويشير إلى أن الاحتلال يمارس فعليًا إعدام الأسرى حتى قبل إقرار القانون، عبر الإعدام الميداني، أو التعذيب المميت خلال التحقيق، أو الإهمال الطبي، والتجويع، والاعتداءات الجنسية.
وكشف أن الاحتلال قتل أكثر من 85 أسيرًا معروف الهوية خلال العامين الأخيرين فقط، معتبرًا أن إصرار الاحتلال على إقرار هذا القانون يعكس عقلية عنصرية إجرامية لحكومة فاشية لا تقيم وزنًا للقيم الإنسانية أو القانون الدولي، وستحوّل أرواح الأسرى إلى رهائن بيد متطرفين، ما ينذر بمرحلة من القتل اليومي "لكن هذه المرة بغطاء قانوني ورسمي".
وبحسب آخر معطيات نشرتها هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني، فقد بلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال نحو 9300 أسير، بينهم 51 أسيرة، و350 طفلًا.
