للعام الثالث على التوالي، يمرّ عيد الميلاد على مسيحيي قطاع غزة بلا شجرة ولا مظاهر احتفال، بسبب تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية التي خلّفت قتلًا ونزوحًا وتجويعًا، ودمارًا واسعًا طال منازلهم وأحياءهم التاريخية.
وفي قلب غزة القديمة، حيث تتجاور الكنائس العريقة مع المساجد الأثرية، لم ينجُ المكان ولا الإنسان، إذ دمّر الاحتلال عددًا كبيرًا من المنازل ودور العبادة، لتتحول الأعياد إلى طقوس مختزلة مثقلة بالحزن والفقد.
وعادةً ما يبدأ الاحتفال بعيد الميلاد لدى مسيحيي غزة في منتصف كانون الأول/ ديسمبر، بقرع أجراس الكنائس الأثرية إيذانًا بموسم الأعياد.
غير أن الحرب الإسرائيلية خلال العامين الماضيين عطّلت فرحة الميلاد، وجعلت العائلات المسيحية في غزة تمر بموسم الأعياد وسط قيود صارمة حرمتهم من مغادرة القطاع أو المشاركة في الصلوات والاحتفالات الدينية في القدس وبيت لحم.
فإغلاق المعابر ومنع التصاريح قطع صلة الكثيرين بكنائسهم التاريخية، لتُختصر الطقوس هذا العام داخل أحياء مدمّرة وكنائس متضرّرة، وفي ظل شحّ الإمكانات وغياب الشعور بالأمان.

بيوت مهدّمة وطقوس مختزلة
في غرفة مستأجرة بأحد أحياء مدينة غزة، تجلس ريم عياد (38 عامًا) مع أطفالها الثلاثة بعد أن فقدت منزلها في الحرب، تقول لـ "وكالة سند للأنباء": "كان العيد وقت فرح ولمّة عائلة، اليوم نحاول فقط أن يشعر أطفالنا أن العيد ما زال موجودًا، ولو بصلاة قصيرة وشمعة صغيرة".
وعندما يسألها أطفالها عن شجرة الميلاد التي اعتادوا تزيينها كل عام، تبتسم ابتسامة تخفي حزنًا عميقًا وتجيب: "هذا العام نزيّن قلوبنا، إلى أن تعود البيوت".
أما جورج الطويل (55 عامًا)، فيؤكد خلال حديثه مع مراسلنا، أن خسارته لم تتوقف عند حدود البيت، فقد غادر أفراد من عائلته القطاع بحثًا عن الأمان.
ويقول: "العيد بلا عائلة ناقص، نتواصل عبر الهاتف، نصلّي في الوقت نفسه، ونحاول أن نشعر أننا معًا رغم المسافات والجراح".

من جانبه يقول عضو مجلس وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية في غزة، إلياس الجلدة، إن عيد الميلاد هذا العام يأتي في واحدة من أقسى المحطات التي يمر بها الشعب الفلسطيني، بعد حرب خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا ودمارًا شاملًا طال كل مكونات الحياة.
ويوضح الجلدة لـ "وكالة سند للأنباء" أن ذكرى ميلاد "السيد المسيح" تحمل هذا العام معنى خاصًا، باعتبارها رمزًا لبداية جديدة يُعلّق عليها الفلسطينيون آمالهم بانتهاء الحرب وبزوغ فجر مختلف.
ويضيف أن أبناء الطائفة المسيحية، رغم الجراح ومرارة الفقد، يتمسكون بروح العيد بوصفها رسالة رجاء ونجاة، تستحضر معنى الميلاد كصفحة جديدة يتطلع إليها شعب يسعى للخلاص من الظلم وإعادة بناء حياته بكرامة.

ويكشف الجلدة أن نحو 80% من منازل المسيحيين في غزة سُوِّيت بالأرض، إضافة إلى تدمير واسع طال الكنائس، والمدارس، والمؤسسات الثقافية، وجمعية الشبان المسيحية، واتحاد الكنائس، والمراكز المجتمعية، ما أفقد الطائفة معظم مساحاتها الحيوية ومقومات استقرارها.
ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بعدد من الكنائس ومرافقها، ما زالت الكنيسة تشكّل نقطة تجمع روحية واجتماعية، وفق قوله.
وفي السياق يشير راعي الطائفة الكاثوليكية في غزة، الأب عبد الله يوليو، إلى أنّ الكنيسة تحاول هذا العام أن تكون مساحة دعم نفسي وإنساني، إلى جانب دورها الديني، في ظل معاناة يومية قاسية.
ويؤكد الأب يوليو لـ "وكالة سند للأنباء" أنّ ما يعيشه مسيحيو غزة هو امتداد لمعاناة الشعب الفلسطيني بأكمله، في سياسة لا تميّز بين مسلم ومسيحي، وتحرم الفلسطينيين من أبسط حقوقهم، وفي مقدمتها حرية العبادة.

ويشير إلى أن القيود لا تقتصر على غزة، بل تطال مسيحيي الضفة الغربية أيضًا، حيث يُمنع كثيرون من الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس.
وتقدّر مصادر محلية عدد الفلسطينيين المسيحيين في قطاع غزة بنحو 650 شخصًا، يتركّز أغلبهم في مدينة غزة.
وتكبّد هذا المجتمع خسائر بشرية ومادية خلال الحرب؛ إذ استُشهد أكثر من 25 شخصًا من أبناء الطائفة، وتوفي قرابة 25 آخرين نتيجة نقص العلاج، فيما تجاوز عدد المصابين والمتضررين 500 فرد.
