الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 5 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

عيد بلا أحباب.. حين تسرق السجون فرحة العائلات

حجم الخط
عيد الأحباب.jpeg
الخليل - وكالة سند للأنباء

في الوقت الذي تمتلئ فيه البيوت بفرحة العيد وطقوسه، تقف منازل ذوي الأسرى على الضفة الأخرى من المشهد؛ صامتة، مثقلة بالغياب، ومحرومة من أبسط ملامح البهجة.

هناك، لا تُقاس الأيام بموعد العيد، بل بعدد الكراسي الفارغة على موائد الانتظار، وبأسماء غائبة لا تغيب عن القلوب.

عيدٌ يمرّ بلا عناق، بلا ضحكات مكتملة، وبذاكرة مثقلة بوجع الفقد، حيث يتحول الفرح المؤجل إلى حنينٍ ثقيل، ودعاء لا ينقطع.

هو واقع ملموس، تعيشه أكثر من 9500 أسرة فلسطينية، غيّب الاحتلال أبناءها، وحرمها من لقائهم في العيد، بينهم 350 طفلًا، زجّ الاحتلال غالبيتهم في سجونه، ما خلق لوعة الفقد في قلوب آبائهم وأمهاتهم مع قدوم أي مناسبة.

أما غياب الأمهات فهو وجع آخر، لن تُقبّل أياديهن صباح العيد، ولن تترافق الخطى نحو الأسواق لشراء ملابسه؛ 130 طفلًا يُحرمون هذا العيد من أبسط طقوس الفرح، بعد أن غيّب الاحتلال أمهاتهم خلف القضبان.

ومع استمرار اعتقال 32 أمًا من أصل 72 أسيرة في سجون الاحتلال، تغيب ملامح العيد عن هذه البيوت، وتتحوّل أيامه إلى انتظارٍ ثقيل وحنينٍ لا ينطفئ، حيث لا عيد دون أم.

مراسم جافة..

ويشير مدير مركز فلسطين لدراسات الأسرى، رياض الأشقر، إلى أن ذوي آلاف الأسرى يستقبلون هذا العيد بفرحة منقوصة وبمراسم جافة تفتقد إلى البهجة والسرور، في ظل غياب أبنائهم خلف القضبان.

ويوضح الأشقر، في حديث لـ "وكالة "سند للأنباء"، أن مناسبة العيد من المفترض أن تكون من أجمل المناسبات التي تدخل السرور والفرحة على قلوب الناس، إلا أن هذه الفرحة تغيب بشكل واضح عن بيوت الأسرى، كون أحد أفراد الأسرة أو أكثر معتقل لدى الاحتلال، بينما ترد أخبار متواصلة عن أوضاع قاسية يعيشها أبناؤهم في السجون.

ويزداد قلق ذوي الأسرى خلال العيد، مع ما يصل إلى مسامعهم من معلومات حول استمرار إجراءات التنكيل والحرمان التي يعيشها الأسرى، ما يُبقيهم في حالة قلق دائم وتوتر وخوف على حياة وسلامة أبنائهم.

ويضيف الأشقر أن هذا القلق يتفاقم في ظل استمرار حالة الطوارئ وإغلاق السجون، وما يترتب عليه من منع زيارات الأهالي، والتي تزامنت مع حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وينوّه إلى أن الزيارات كانت سابقًا تشكّل شريان حياة في العيد، وتساهم في تقليل الشوق لدى الأهالي برؤية أبنائهم والاطمئنان عليهم، ولو من مسافات متباعدة.

لكن هذا الشريان، كما يقول الأشقر، انقطع بشكل كامل منذ 29 شهرًا متواصلة، ما ضاعف حالة القلق ونغّص على الأهالي فرحتهم بالعيد، وجعل مراسمه بروتوكولية خالية من الفرح والبهجة.

ويدعو الأشقر المؤسسات الوطنية والفعاليات إلى القيام بدور في التخفيف عن الأهالي ومواساتهم عبر الزيارات، ورسم الابتسامة على وجوههم، خاصة الأطفال الذين يتأثرون أكثر من غيرهم بغياب الأسير عن العائلة.

عيد ثقيل..

ويحلّ العيد ثقيلًا على عائلة الأسير الصحفي محمد منى من مدينة نابلس، حيث يغيب الأب عن تفاصيل اعتاد أن يكون قلبها النابض.

ثلاثة أطفال ينتظرونه فلا يجدونه؛ لا ليرافقهم إلى الأسواق لشراء كسوة العيد، ولا ليأخذ بأيديهم في جولات صلة الرحم التي لطالما حرص على أن تكون بصحبته.

وتقول زوجة الأسير محمد منى لـ "وكالة "سند للأنباء" إن هذا ليس العيد الأول الذي يغيب فيه "أبو حمزة"، الذي أمضى قرابة عشرة أعوام في سجون الاحتلال، مؤكدة أن غيابه يترك فراغًا يتجدد مع كل مناسبة، ويثقل قلوب أطفاله حمزة وعبد الرحمن والصغيرة نجاة، كلما اجتمعت العائلة.

تفاصيل قد تبدو عابرة للبعض، لكنها عند الأطفال تتحول إلى غصّة يومية؛ فغياب الأب عن طقوس العيد، وما سبقه من أيام رمضان واللقاءات العائلية، يجعل كل محاولة لرسم البسمة على وجوههم ناقصة.

وعن التفاصيل المفقودة، تروي زوجة "منى": "لم يعد هناك من يختار لهم ملابسهم بعناية، ولا من يصطحبهم إلى أسواق نابلس ليلة العيد، ولا من يقف إلى جانبهم في صلاة العيد، أو يقود بهم جولات الزيارة وصلة الرحم؛ طقوس كاملة غابت لأن الأب غائب خلف القضبان.

أما الطفلة نجاة، ذات الأعوام الأربعة، فلا تملك الكلمات الكافية لتعبّر عما بداخلها، لكن ملامحها تختصر الحكاية عبر حزن صامت واشتياق لا تخفيه، رغم كل المحاولات لإقناعها بأن والدها سيعود قريبًا، وسيشتري لها ما تحب من حاجيات العيد كما كان يفعل دائمًا.

الغياب الأول..

لم تختلف أجواء عيد الفطر لدى عائلة الأسيرة هناء البيدق من رام الله عما عاشته خلال شهر رمضان، حيث تمضي شهرها السابع في الاعتقال داخل معتقل "الدامون"، في أول تجربة اعتقال لها، بعد اقتحام عنيف لمنزلها لم يترك سوى الخراب والخوف في نفوس الأطفال.

ويقول زوجها بشار الطويل لـ "وكالة "سند للأنباء" إن زوجته تركت 4 أبناء، أصغرهم 10 أعوام، يحاول فهم ما جرى، بينما لا تزال مشاهد التكسير والتخريب محفورة في ذاكرتهم كصدمة لا تُنسى.

ويضيف: "منذ ذلك اليوم، لم يعد البيت كما كان، وتفاصيل الحياة اليومية فقدت دفئها، وأبسط طقوس العيد باتت ناقصة، كما كانت على مائدة الإفطار حين كانت الأم تجمع أبناءها، حيث يخيّم الغياب ثقيلاً".

ولا يتوقف محمد وأمير عن تكرار السؤال اليومي: متى تعود؟ لكن الإجابة غائبة كغيابها، ولا يكاد يمر يوم دون أن يذكروا أمهم أو يتوقفوا عند زاوية في البيت كانت تحمل حضورها.

ويسرد زوج الأسيرة: "محمد وأمير وأشقاؤهما يعيشون العيد هذه المرة بلا روح، كانت أمهم تبدأ التحضيرات مبكرًا؛ تصنع المعمول بيديها، وتختار لهم ملابس العيد بعناية، وتنسّق تفاصيلهم الصغيرة بحب، أما اليوم فلا شراء ولا تحضيرات، ولا حتى صوت يطمئنهم؛ فالعيد دون الأم ليس عيدًا، بل فراغ كبير".

لا يقتصر الغياب على التفاصيل الظاهرة، بل يمتد إلى أعماق الأطفال النفسية، فهناك شيء أساسي مفقود لا يمكن تعويضه، رغم محاولات من يحيط بهم التخفيف عنهم، لكن الأم لا تُعوّض، يقول الأب.

ويشير إلى أنه منذ بداية رمضان انقطع التواصل تمامًا؛ فلا اتصالات ولا رسائل، وكأنها غابت عن العالم، فيما تتزايد المخاوف مع ما يتردد عن أوضاع الأسيرات داخل السجون، خاصة بعد الحرب، حيث تتفاقم المعاناة.

ورغم كل ذلك، يبقى الأمل حاضرًا في قلوب محمد وأمير.. أملٌ بأن تعود أمهم قريبًا، لتعود معها الحياة إلى ما كانت عليه، وتكتمل المائدة، ويعود للعيد معناه.