على مدى أيام، عملت 6 عائلات فلسطينية على إخلاء منازلها في حي التعاون العلوي بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية، بعد ان تلقوا إنذارا نهائيا من سلطات الاحتلال الإسرائيلي لهدمها بنهاية العام الجاري، بزعم أنها تقع في المنطقة (ج) الخاضعة لسيطرة الاحتلال وفق تصنيفات اتفاق أوسلو.
ويقع حي التعاون العلوي على تلة فوق جبل جرزيم بمدينة نابلس، ويقابله على تلة مقابلة، لكن بعيدة نسبيا، مستوطنة "براخا" الجثامة على أراضي قرى جنوب نابلس.
وعلى سطح منزله المهدد بالهدم، وقف أشرف حطاب ينظر بحسرة إلى مستوطنة "براخا" في الجهة المقابلة وهي تزحف نحو حي التعاون العلوي، فيما ينشغل هو وعائلته بإخلاء منازلهم قبل هدمها.
وقال حطاب لـ"وكالة سند للأنباء": "عندما بدأنا البناء في 2015 لم يكن هناك أي مبنى (ظاهرا) في المستوطنة. نحن بدأنا بالبناء وهم الآن يزحفون نحونا".
وتقطن 3 أسر من عائلة حطاب 3 منازل في الحي، ويضيف: "بنينا في أرضنا بناء على معرفتنا بأنها منطقة ب، وهذا ما يؤكده المساحون والخبراء، لكن الاحتلال يصر على أنها مناطق ج".
وأوضح أنهم تلقوا إخطارات بوقف البناء والهدم في العام 2021، ومنذ ذلك الحين توجهوا إلى المحاكم الإسرائيلية لوقف القرار.
ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة، صعّد الاحتلال من سياسة الهدم في الضفة الغربية، وبدأ بهدم المنازل في حي التعاون العلوي في مارس/ آذار 2024، وبعد نحو عام عاد الاحتلال وهدم منازل أخرى في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار، ليبلغ عدد المنازل التي هدمت حتى الآن 6 منازل.
ويشير حطّاب إلى أنّه بعد هدم منزلين في شهر أبريل الماضي، أصبح الوضع مخيفًا بالنسبة لهم، فاضطروا إلى إخراج بعض المقتنيات خوفًا من هدمٍ مفاجئ، ومنذ ذلك الحين وهم ينامون على الأرض.
وفي الأسبوع الأول من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أبلغهم المحامي بصدور قرار نهائي بالهدم من المحكمة الإسرائيلية العليا، والتي أمهلتهم حتى نهاية الشهر لتنفيذ القرار.
تشريد وديون
لا تتوقف مأساة العائلات المهدَّدة بالهدم عند خسارة منازل شيدتها بعرق السنين، بل تمتد لتشمل ديونًا ثقيلة ما زالت تلاحقها حتى اليوم، بعدما استنزفتها تكاليف البناء، في وقت تُجبر فيه على البحث عن مساكن بديلة تأويها.
ويقول رشيد حطّاب، شقيق أشرف: "انتظرنا أربعين عامًا حتى تمكّنا من البناء على أرضنا، وتراكمت علينا ديون البناء، ولم نُنهِ حتى اليوم تسديد أقساط النوافذ والأثاث".
ولا يختلف حال عائلة حطّاب عن باقي العائلات المهدَّدة بالهدم في حيّ التعاون العلوي، ومن بينها عائلة ياسين المصري، الذي يقطن مع أسرته المكوّنة من عشرة أفراد في منزل بناه قبل اثني عشر عامًا.
ولم يُمهل الاحتلال عائلة المصري طويلًا للتمتّع ببيتٍ كلّفها الكثير، إذ يقول بأسى: "دفعنا دم قلوبنا في هذا البيت، واليوم جاؤوا ليهدموه على غفلة".
ويضيف في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "قبل عامين تفاجأنا بقرارات هدم طالت 18 منزلًا في الحي، من بينها منزلنا، رغم أننا نقع في قلب مدينة نابلس، في منطقة تتداخل بين التصنيفين (أ) و(ب)".
ويؤكد المصري أن بحوزتهم تقارير أعدّها مسّاح معتمد، إلى جانب وثائق رسمية صادرة عن وزارة الحكم المحلي، تُثبت أن المنطقة مصنّفة (أ) و(ب)، إلا أن سلطات الاحتلال ترفض الأخذ بها، وتصرّ على اعتبارها منطقة (ج) استنادًا إلى خرائطها الخاصة.
هدم بذرائع أمنية
يفرض الاحتلال قيودًا مشددة على البناء الفلسطيني في المناطق المصنّفة (ج)، إذ يمنعه عمليًا إلا بعد الحصول على ترخيص من "الإدارة المدنية" التابعة له، وهو ترخيص يُعدّ الحصول عليه شبه مستحيل.
وتشكّل مناطق (ج) نحو 62% من مساحة الضفة الغربية، وهي خاضعة للسيطرة الإدارية والأمنية للاحتلال، ورغم ذلك لا يتردد الاحتلال في التذرّع بمبررات أمنية لمنع البناء حتى في مناطق مصنّفة (ب)، كما يوضح محمود الصيفي، مدير مركز أبحاث الأراضي في محافظة نابلس.
ويبيّن الصيفي في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن اتفاق أوسلو منح الاحتلال صلاحيات أمنية في مناطق (ب)، إلا أن الاحتلال كثيرًا ما يستغل هذه الصلاحيات لتقييد البناء الفلسطيني بذريعة “الدواعي الأمنية”.
ويشير إلى وجود تباين في تصنيف مساحات واسعة من الأراضي بين خرائط الاحتلال وخرائط السلطة الفلسطينية، وهي أراضٍ لم يُحسم وضعها حتى اليوم، ما يستغله الاحتلال لمحاصرة التوسع العمراني الفلسطيني.
ويربط الصيفي بين تصاعد وتيرة عمليات الهدم في الضفة الغربية وتغوّل المشروع الاستيطاني، لافتًا إلى أن أكثر من 500 آلية تعمل في الوقت ذاته لشقّ الطرق الاستيطانية وبناء البؤر في مختلف أنحاء الضفة.
ويعيد التذكير بتصريحات سابقة لوزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، قال فيها إن عام 2025 سيكون "عام الضم"، وهي تصريحات تُرجمت على الأرض بهدم نحو 6500 منزل، وإصدار أكثر من 1200 إخطار منع بناء، وإقامة 140 بؤرة استيطانية، إضافة إلى اقتلاع نحو 20 ألف شجرة.
