لم تكن بلدة سبسطية يومًا مجرد أطلالٍ تحكي تاريخًا عابرًا، بل ساحة مواجهة مفتوحة على الرواية والهوية والوجود.
ففي البلدة الفلسطينية الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، تتراكم طبقات الحضارات في حجارةٍ تحكي تاريخًا يحاول الاحتلال تزييفه، فينبش الأرض ليعيد كتابة التاريخ، ويُسخّر المال والقوة لفرض روايةٍ مصطنعة.
وبين الحفريات والمصادرات، يتحول التراث الفلسطيني في سبسطية إلى هدف مباشر، ويغدو كل حجرٍ فيها شاهدًا على محاولة اقتلاع الماضي لسرقة الحاضر والمستقبل.
فمنذ سنوات طويلة، تبذل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، جهودًا مضنية لتزييف التاريخ فيها، وتضخ أموالًا طائلة لإثبات ارتباط مزعوم بالتراث اليهودي، يكون مدخلًا للسيطرة على مساحات كبيرة من الأرض.
وفي اليوم الذي يحيي فيه العالم "يوم التراث العالمي"، الذي يصادف الثامن عشر من نيسان/ أبريل من كل عام، يجد الفلسطينيون أنفسهم في خضم معركة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا، لتشمل حماية التاريخ والذاكرة من محاولات السطو على التاريخ والهوية والأرض.
حضارات متعاقبة..
وتُعد سبسطية من أكثر المواقع أهمية تاريخية ودينية في فلسطين، فعلى مدار آلاف السنين تعاقبت على البلدة حضارات عديدة تركت بصمات مميزة فيها، كالكنعانية والبيزنطية والرومانية واليونانية والإسلامية.
وسبسطية مدينة كنعانية بدأ الاستقرار فيها في العصر البرونزي المبكر، نحو عام 3200 قبل الميلاد، واكتسبت أهميتها السياسية عام 876 قبل الميلاد، عندما حوّلها الملك "عمري" عاصمة لمملكته الكنعانية الوثنية.
كما تكتسب البلدة أهمية دينية لوجود مقام وكنيسة النبي يحيى -عليه السلام-، المعروفة بكنيسة "الرأس".
ويقول رئيس بلدية سبسطية محمد عازم، لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الاحتلال ومنذ عام 1967 يعمل بكل طاقاته لتهويد البلدة، مؤكدًا أن تلك المحاولات تستند إلى منطق القوة العسكرية والاقتصادية، وليس إلى قوة التاريخ.
ويحظر القانون الدولي على سلطات الاحتلال التدخل في المواقع الأثرية أو تطويرها، لكن "إسرائيل" لا تعير هذا القانون أي اهتمام، وتمضي في مشاريعها التهويدية في سبسطية وغيرها من المواقع الأثرية الفلسطينية.
ويشير عازم إلى أنه منذ اللحظة الأولى، يحاول الاحتلال إيجاد موطئ قدم له في سبسطية، من خلال البحث عن اللقى الأثرية، وتجنيد كل إمكانياته للتنقيب في المنطقة وسرقة اللقى ونقلها إلى مستوطنة "شافي شمرون" القريبة من البلدة، ومحاولة تزييفها.
وفي "شافي شمرون"، يعمد الاحتلال إلى جلب آلاف المستوطنين، خاصة طلاب المدارس ورياض الأطفال، وتدريسهم أن هذه اللقى عُثر عليها في سبسطية، التي كانت عاصمة للمملكة اليهودية الشمالية في الزمن الغابر.
قرن من البحث والتنقيب
يشير عازم إلى أن محاولات تزييف التراث في سبسطية لم تبدأ حديثًا، بل تعود لأكثر من قرن.
ففي عام 1908، قامت جامعة هارفارد، بتمويل من الحركة الصهيونية، بإجراء حفريات أثرية في أكثر من موقع داخل البلدة، لكن النتائج لم تكن في صالحهم، ولم يُعثر على أي لقى ترتبط باليهود، فتم إيقاف الحفريات.
وفي زمن الانتداب البريطاني، جرت عدة عمليات تنقيب، لكنها أيضًا لم تُسفر عن نتائج تدعم هذه الرواية.
ومنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، تحاول حكومات الاحتلال المتعاقبة ترسيخ أن سبسطية جزء من التاريخ اليهودي.
ويبين عازم أن محاولات تهويد آثار سبسطية تصاعدت مع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، خاصة بعد الانتفاضة الثانية.
وفي هذا السياق، بدأ الاحتلال بسلسلة إجراءات، منها مصادرة الأراضي، ووضع المنطقة الأثرية تحت تصنيف المناطق العسكرية، وجلب آلاف المستوطنين لإقامة احتفالات وطقوس دينية فيها، في محاولة لإقناع الإسرائيليين بأن هذه المنطقة يهودية.
رواية غير مقنعة..
كما بدأ الاحتلال بجلب وفود سياحية دولية عبر مكاتب السياحة الإسرائيلية، لإقناعهم بوجود تاريخ يهودي في سبسطية، إلا أن عازم يؤكد أن هذه الوفود لا تقتنع بهذه الرواية.
وفي الآونة الأخيرة، كثّف الاحتلال مساعيه لتهويد المنطقة الأثرية، من خلال إصدار قرارات وقوانين عبر الكنيست لصالح تنفيذ مشاريع تهويدية أوسع، تهدف إلى سلخ المنطقة وسرقتها.
وكان من أبرز هذه القرارات مصادرة 1800 دونم من المنطقة الأثرية لصالح وزارة التراث الإسرائيلية ومجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية.
ويقول عازم: "بعد أن اعترضنا على القرار عبر المسارات القانونية، تفاجأنا بقرار آخر يصادر 268 دونمًا إضافية، لتصبح المساحة المصادرة 2068 دونمًا".
ويوضح أن الاحتلال أنكر حقهم في الاعتراض، مدعيًا أنهم لا يملكون هذه الأراضي، رغم أنها أراضٍ خاصة يملكها مواطنون من سبسطية، ولديهم وثائق "طابو" صادرة في زمن الحكم الأردني.
ميزانيات ضخمة
وفي السنوات الأخيرة، أعلنت حكومة الاحتلال عن رصد 33 مليون شيكل لإجراء حفريات في المنطقة، نُفذت فعليًا في مدخل المدينة الرومانية قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبعد هذا التاريخ، رُصدت 40 مليون شيكل أخرى لاستكمال أعمال الحفر في قلب المنطقة الأثرية.
ويقول عازم إن الاحتلال يسعى، مستفيدًا من إمكاناته، إلى فرض أمر واقع جديد داخل المنطقة الأثرية، عبر مصادرة 1300 متر في قلبها لإقامة مركز للشرطة الإسرائيلية.
وقبل أشهر، جرت محاولة لرفع العلم الإسرائيلي في قلب المنطقة الأثرية، كرسالة لفرض السيادة والسيطرة.
وبالتوازي، ينتهج الاحتلال سياسة تهدف إلى تفريغ المنطقة الأثرية من الوجود الفلسطيني، لتسهيل تزييف المشهد.
فقد حوّل الاحتلال المنطقة إلى ما يشبه منطقة أمنية، عبر الاقتحامات المتكررة، ومطاردة المواطنين، ومنعهم من دخول أراضيهم القريبة إلا بتنسيق مسبق.
ويؤكد عازم أن الاحتلال ماضٍ في عمليات التهويد، من خلال الحفريات وتزييف التاريخ، عبر الادعاءات الموجهة للمجتمع الدولي وللإسرائيليين بوجود آثار يهودية في فلسطين.
تراث عالمي مهدد
وتبذل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية جهودًا، وأعدت ملفًا متكاملًا لإدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي المهدد.
ويبين خبير الآثار ومدير دائرة آثار نابلس ضرغام الفارس، أن هذه الخطوة مهمة لحماية آثار سبسطية وتعريف العالم بقيمتها التراثية والإنسانية.
ويقول لـ"وكالة سند للأنباء"، إن سبسطية من أكثر المدن استهدافًا من قبل الاحتلال، الذي يعمل على ضم مساحات واسعة من أراضيها تحت غطاء "الحفاظ على الآثار".
ويؤكد الفارس، أن الإجراءات التي يفرضها الاحتلال "ليست عفوية"، بل تأتي في إطار فرض أمر واقع يهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية.
وتضيّق قوات الاحتلال على موظفي دائرة الآثار أثناء عملهم في البلدة، وتعيق عملهم بشكل مستمر، وفق الفارس، مشيرًا إلى أن الاحتلال أعاد ترسيم هذه المواقع بشكل سياسي تعسفي وغير مهني، بهدف ضم مساحات واسعة وتهويدها، من خلال قرارات السيطرة على المواقع الأثرية في الضفة العام الماضي.
وينبّه إلى أن هذا الترسيم يعيق وصول المواطنين إلى أراضيهم، ويمنعهم من زراعتها وخدمتها، وقد يعرّضهم للاعتقال بتهمة الاتجار بالآثار.
ويؤكد الفارس أن كل محاولات الاحتلال لتزييف الحقيقة مصيرها الفشل، فسبسطية مدينة كنعانية ذات تاريخ ثابت لا يمكن تزويره، مشيرًا إلى أن مروّجي الروايات المزيفة هم جهات سياسية ودينية في "إسرائيل".
ويضيف أن الشعب الفلسطيني هو المالك لهذا الموروث الثقافي، وأن كل ما على أرض فلسطين وفي باطنها من آثار هو ملك له.
