في خطوة غير مسبوقة أثارت جدلاً دوليًا واسعًا، أعلنت "إسرائيل" يوم الجمعة الماضي عن اعترافها الرسمي بإقليم صوماليلاند كدولة مستقلة، لتصبح بذلك أول "إسرائيل" أول من تعترف عالميًا بسيادة الإقليم بعد أكثر من ثلاثة عقود من انفصاله عن الصومال عام 1991.
تأتي هذه الخطوة في سياق متقاطع من التوترات الجيوسياسية، لا سيما مع استمرار الحرب في غزة رغم توقفها عسكريًا، وتداخل الصراعات الإقليمية على مفاصل الأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
الإعلان الإسرائيلي لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل مثّل تحوّلًا في رؤية تل أبيب الإستراتيجية تجاه القرن الإفريقي.
فصوماليلاند، رغم افتقارها للاعتراف الدولي، تمتلك استقرارًا نسبيًا مقارنة بباقي مناطق الصومال، وتقع على الضفة الجنوبية لخليج عدن عند مدخل مضيق باب المندب، ما يجعلها موقعًا استراتيجيًا ذا أهمية كبيرة لأي قوة تسعى إلى تأمين خطوطها البحرية والإقليمية.
ويؤكد مراقبون أنّ الاهتمام الإسرائيلي بالممر البحري الحيوي ليس جديدًا، بل يعود إلى عقود من الصراع على السيطرة على طرق الملاحة البحرية الحيوية والأمن البحري في المنطقة، وارتباطه بأمن "إسرائيل" الاقتصادي والاستراتيجي منذ منتصف القرن الماضي.
ردود الفعل الدولية كانت سريعة وحادة، فقد أدانت حكومات دولية وعربية وإفريقية القرار، معتبرة إياه انتهاكًا لسيادة الصومال وتحديًا للقانون الدولي، وحذرت من أنه قد يشكّل سابقة خطيرة لتقويض الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر.
من جهتها، أعلنت الحكومة الصومالية أن الاعتراف الإسرائيلي يُمثل اعتداءً على سيادتها ووحدة أراضيها، فيما أشارت جهات دولية أخرى إلى أن هذه الخطوة قد تثير تحديات دبلوماسية تصعد الصراعات المحلية والإقليمية.
البعد الاستراتيجي..
تحليل الأبعاد الجيوسياسية يظهر أن التحولات الأخيرة لا يمكن فَهمها بمعزل عن السياق الأوسع لصراع النفوذ في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالأمن البحري العالمي، ومصالح القوى الكبرى والإقليمية في التجارة والطاقة.
وفي العقود الماضية، شكّل هذا الممر البحري ساحة لتقاطع المصالح بين القوى الإقليمية والدولية، وتضاعفت أهميته منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما أصبحت "إسرائيل" تواجه تهديدات متعددة على محاور مختلفة، من اليمن إلى البحر الأحمر.
المحلل في الشؤون الإسرائيلية علي الأعور وصف الاعتراف بأنه امتداد لاستراتيجية موسعة تضع مصالح "إسرائيل" في مأمن، خاصة فيما يتعلق بطرق التجارة والأمن البحري، وكذلك مواجهة جماعات مسلحة مثل الحوثيين في اليمن.
ويرى الأعور لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذا الاعتراف يتيح لـ "إسرائيل" فرصًا أكبر لتوسيع التعاون واكتساب موطئ قدم استراتيجي على الضفة الجنوبية لمضيق باب المندب، ما يقوي من موقعها في مواجهة تحديات إقليمية متعددة.
من جهته، يشير المحلل السياسي فرحان علقم إلى أن هذه الخطوة تعكس رغبة إسرائيلية راسخة في التأثير في منطقة القرن الإفريقي، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا في الجوانب الاقتصادية المتعلقة بالثروات والمعادن النادرة، في محاولة للمنافسة مع النفوذ الصيني المتوسع في إفريقيا.
ويضيف علقم في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أنّ تل أبيب تبحث عن موضع متقدم يمكنها من مواجهة تهديدات الحوثيين، مستذكرًا دعم "إسرائيل" لخطوات الانفصال في جنوب السودان، وتأثيرها المباشر على مسار صوماليلاند، حيث لعبت دورًا في تعزيز استقلالها عن الدولة الأم.
ويحذر من أن "إسرائيل" قد تستخدم الاعتراف بصوماليلاند كجزء من مخطط واسع لتحويل الإقليم إلى مركز احتجاز محتمل للفلسطينيين من غزة، عبر استراتيجيات الضغط والتضليل والسيطرة.
من جهته، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، يمثل أداة ضغط ومناورة استراتيجية، وليس كقرار نهائي مكتمل.
ويعتقد مسلماني في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن المسعى الإسرائيلي من الخطوة يتمثل في اختراق جيوسياسي للقرن الإفريقي، كون أرض الصومال تقع على مضيق باب المندب، أي قرب أحد أخطر شرايين التجارة العالمية.
ويشير إلى أن وجود "صديق حليف" لـ "إسرائيل" يعني مراقبة البحر الأحمر، ونقطة ضغط غير مباشرة على اليمن، والقرن الإفريقي، والخليج.
ويضيف أن "إسرائيل" تحاول من خلال ذلك تطويق الخصوم الإقليميين، وتضييق الخناق على إيران وحلفائها في البحر الأحمر، وموازنة النفوذ التركي–القطري في الصومال، إلى جانب تحجيم الدور العربي التقليدي في شرق إفريقيا.
ويحذر مسلماني من أن أي تمدد إسرائيلي إضافي خارج السياق الفلسطيني، قد يُسهم في تطبيع الأمر الواقع، ويشتت الاهتمام الدولي عن جوهر الصراع.
ويخلص إلى القول إن مجرد توجه "إسرائيل" نحو صوماليلاند يعني أنها تفكر بعيدًا وتتحرك حيث الفراغ، وتستثمر في الدول غير المعترف بها لأنها "أرخص سياسيًّا" وأكثر قابلية للاختراق.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف حقيقية من أن تكون هذه الخطوة جزءًا من مخططات ترحيل الفلسطينيين خارج أراضيهم، لا سيما من قطاع غزة.
فقد ربطت تحليلات دبلوماسية بين الاعتراف وصياغات طرحها مسؤولون إسرائيليون وأميركيون سابقًا، حين أُشير إلى صوماليلاند كخيار جغرافي محتمل لاستيعاب أعداد من سكان غزة في حال تنفيذ سياسات ترحيل جماعية أو إجبارية.
وقد أعربت جهات فلسطينية رسمية عن رفضها القاطع لأي محاولة لاستغلال الاعتراف بهذا الإقليم كغطاء لخطة لتهجير الفلسطينيين، معتبرة أن هذه المقترحات تمثل محاولة لإبعاد القضية الفلسطينية عن سياقها التاريخي والقانوني وتحويلها إلى ملف للهجرة القسرية بعيدًا عن الأرض الفلسطينية.
