سلطت صحيفة الغارديان البريطانية الضوء على تحرك دولة الاحتلال الإسرائيلي لبدء بناء مستوطنة غير شرعية واسعة النطاق في قلب الضفة الغربية المحتلة، في مشروع صُمم، بحسب منتقديه، لـ"دفن فكرة الدولة الفلسطينية".
ففي منتصف ديسمبر/كانون الأول، نشرت سلطة أراضي (إسرائيل) بهدوء مناقصة لبناء 3401 منزلاً في مشروع E1، وهو ما سيؤدي فعلياً إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية بشكل أكبر عن محيطها الفلسطيني.
وتحدد المناقصة، التي لم يُبلَّغ عنها سابقاً، شروطاً للشركات الراغبة في التقدم لتنفيذ جزء من الأعمال، مع تحديد منتصف مارس/آذار موعداً نهائياً لتقديم العروض.
وقال يوناتان مزراحي، المدير المشارك لمنظمة مراقبة المستوطنات التابعة لحركة "السلام الآن"، التي عثرت على وثيقة المناقصة عبر الإنترنت، إن الخطوة "تعكس جهداً متسارعاً للنهوض بالبناء في منطقة E1".
وأضاف مزراحي: "يشير هذا الجدول الزمني إلى إمكانية بدء أعمال الهدم في أقل من عام"، مؤكدا أن أعمال البناء هذه ستُرسّخ الاستيلاء على الأراضي، وهو ما وصفته الحكومة البريطانية بأنه "انتهاك صارخ للقانون الدولي".
دعم إسرائيلي واسع
ويعود مشروع البناء في هذه المنطقة إلى عقود مضت، ويحظى بدعم من أطياف سياسية متعددة في دولة الاحتلال.
وقد طُرح المشروع للمرة الأولى في تسعينيات القرن الماضي على يد إسحاق رابين، رئيس الوزراء العمالي والحائز على جائزة نوبل للسلام، والذي اغتيل عام 1995 على يد قومي يميني.
وطوال سنوات، حالت ضغوط الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين دون تنفيذ المشروع، للأسباب نفسها التي دفعت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء بارزين في حكوماته المتعاقبة إلى تبنيه.
ويتفق النقاد والمؤيدون على حد سواء على أن نقل عشرات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين إلى مثلث الأراضي المحتلة بين القدس وبيت لحم ورام الله سيُلحق ضرراً بالغاً بأي جهود للتوصل إلى حل الدولتين.
وقال مزراحي: "إن البناء في E1 يهدف إلى خلق حقائق لا رجعة فيها على الأرض، تؤدي إلى واقع دولة واحدة، تشير جميع الدلائل إلى أنه سيتخذ شكل نظام فصل عنصري".
وفي العام الماضي، قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وهو مستوطن، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تخلى عن معارضة الولايات المتحدة الطويلة الأمد لخطة E1.
ولم تُعلّق وزارة الخارجية الأميركية على موقف ترامب، غير أن السلطات الإسرائيلية منحت في أغسطس/آب موافقة تخطيطية رسمية للمشروع، وقال سموتريتش حينها إن الخطة ستدفن فكرة الدولة الفلسطينية ذات السيادة.
وأضاف في تصريح سابق: "من يسعون في العالم للاعتراف بدولة فلسطينية سيحصلون على إجابة منّا على أرض الواقع، لا عبر الوثائق أو القرارات أو التصريحات، بل عبر الحقائق: بيوت وأحياء وطرق وعائلات يهودية تبني حياتها".
إدانة دولية واسعة للاستيطان
أدانت أكثر من 20 دولة، من بينها حلفاء لإسرائيل مثل فرنسا وكندا وإيطاليا وأستراليا، القرار واعتبرته انتهاكاً غير مقبول للقانون الدولي، محذّرة من أنه قد يؤدي إلى تأجيج مزيد من العنف.
لكن هذه الإدانات لم تثنِ دولة الاحتلال عن المضي قدماً في خطط البناء. ففي سبتمبر/أيلول، وقّعت وزارة الإسكان اتفاقية لتمويل بناء البنية التحتية لمشروع E1 وتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم المجاورة، خلال حفل ترأسه نتنياهو.
وقال نتنياهو خلال الحفل: "لقد قلنا إنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، وبالفعل لن تكون هناك دولة فلسطينية. هذا المكان لنا".
وكان يجلس إلى جانبه سموتريتش، الذي فُرضت عليه عقوبات من دول بينها المملكة المتحدة وكندا وأستراليا، بسبب "التحريض المتكرر على العنف ضد المجتمعات الفلسطينية"، إلى جانب زعيم منظمة "أمانة" الاستيطانية، التي فرضت عليها المملكة المتحدة أيضاً عقوبات لدعمها ورعايتها للإرهاب ضد الفلسطينيين.
وينعكس هذا التوجه السياسي في التسارع اللافت للاستعدادات الميدانية. وقالت هاجيت أفران، خبيرة شؤون المستوطنات في منظمة "السلام الآن"، إن إعداد العطاءات بعد الحصول على الموافقة التخطيطية يستغرق عادة ما بين ستة أشهر وسنة، بينما لم يستغرق في مشروع الطريق السريع الضخم المرتبط بـE1 سوى أربعة أشهر.
وأضافت أنه إذا استمرت الإجراءات بالوتيرة نفسها في مراحل الموافقات وتأمين العقود، فقد يبدأ المقاولون بإحضار الجرافات قبل الانتخابات الوطنية المقررة بحلول أكتوبر/تشرين الأول.
وقالت أفران: "أخشى أن نشهد أعمال بناء في الأشهر المقبلة. إنهم يبذلون قصارى جهدهم لإحداث أكبر قدر ممكن من التغيير الذي لا رجعة فيه في جميع أنحاء الضفة الغربية، وبأسرع وقت ممكن".
وبحسب الإجراءات، يمكن اختيار العروض الفائزة خلال أيام من إغلاق باب التقديم، تليها مرحلة التفاوض على تفاصيل العقود، التي تستغرق عادة أسابيع. أما الخطوة الأخيرة قبل بدء البناء فهي الحصول على تراخيص البناء من البلدية، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر.
ويُصنَّف مشروع E1 رسمياً بوصفه امتداداً لمستوطنة معاليه أدوميم باتجاه القدس، وليس مستوطنة جديدة، في إطار صفقة بنية تحتية مع بلدية المستوطنة المجاورة.
ويأتي ذلك ضمن سلسلة توسعات استيطانية تقودها حكومة تتبنى أجندة بناء عدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ففي ديسمبر/كانون الأول، وافقت إسرائيل على مقترح لإنشاء 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، من بينها مستوطنتان كان قد تم إخلاؤهما سابقاً بموجب خطة الانسحاب عام 2005 من غزة وأجزاء من الضفة الغربية.
وبحسب منظمة السلام الآن بلغ عدد المستوطنات في الضفة الغربية عام 2022 نحو 141 مستوطنة. ومع استكمال المشاريع التي تمت الموافقة عليها مؤخراً، سيرتفع العدد إلى 210 مستوطنات.
وقد نُشر الجيش الإسرائيلي بالفعل في بعض المناطق التي أُخليت سابقاً، لإقامة قواعد عسكرية قبل وصول المستوطنين الجدد.
وتزامن ذلك مع تصاعد حاد في الإرهاب ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، نفذها جنود ومستوطنون إسرائيليون خلال الحرب على غزة، وهي أعمال تصفها لجنة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إسرائيلية ودولية بأنها ترقى إلى إبادة جماعية.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد مئات الفلسطينيين في الضفة الغربية، كان واحد على الأقل من كل خمسة منهم أطفالاً، كما جرى تهجير عشرات الآلاف قسراً من منازلهم.
ولا تكاد تُسجَّل معارضة سياسية تُذكر داخل الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية لمحاولات توسيع السيطرة على الضفة الغربية، في ظل مناخ واسع من الإفلات من العقاب يستهدف فيه الجنود والمستوطنون الفلسطينيين بشكل منهجي.
وفي عام 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة حكماً يقضي بأن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، وأمرت في فتوى شاملة بإنهاء الاحتلال "في أسرع وقت ممكن"، وتقديم تعويضات كاملة عن "أفعالها غير المشروعة دولياً".
لقراءة نص التقرير كاملا في صحيفة الغارديان أضغط هنا
