خلف أسوار الاحتلال وإغلاق أبواب الزنازين، يخوض الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال معركة يومية من نوع مختلف، معركة مع الألم والتعذيب الممنهج، حيث يتحول الجسد إلى أداة للمعاناة والردع، ويصبح كل طلب للشفاء خطوة محفوفة بالمخاطر.
وفي هذا التقرير، تستعرض "وكالة سند للأنباء"، شهادة الأسير المحرر عبد الرحمن حمدان من قطاع غزة، التي تكشف المعاناة الحقيقية التي يعيشها آلاف الأسرى في سجون الاحتلال، بين التعذيب الجسدي والنفسي والإهمال الطبي المتعمد.
يروي عبد الرحمن أن رحلة العذاب بدأت فور اعتقاله في أبريل/ نيسان 2024، حيث تعرض لهجوم من الكلاب، تلاه ضرب مبرح وإهانات متواصلة وتجريد من الملابس في ظروف مناخية قاسية صيفًا وشتاءً.
تم تقييده في البداية بمرابط بلاستيكية مشدودة بقوة، ما ترك آثارًا دائمة على يديه، ثم استُبدلت هذه المرابط بكلبشات حديدية شديدة الإحكام، قبل نقله إلى معسكر "سديه تيمان" سيء السمعة.
فحص طبي شكلي وكسر للكرامة
في "سديه تيمان"، خضع عبد الرحمن لما وصفه بـ "فحص طبي شكلي"، دون تشخيص حقيقي أو اهتمام بحالته الصحية، مما يوضح أن الطب داخل السجون يُستخدم كأداة ضمن منظومة القمع، وليس للشفاء.
وتعرض الأسير لسياسة عقاب جماعي قاسية، تضمنت إجباره على الوقوف لساعات طويلة مع رفع الأيدي أو على قدم واحدة، ومنعه من أي حركة، مع تعرضه للضرب المتواصل خلال الاقتحامات اليومية وإطلاق الكلاب عليه، دون أي تقديم للعلاج سوى عبارة "اشرب ماء".
إلى جانب ذلك، أُجبر على الجلوس على أرض السجن من الساعة السادسة صباحًا وحتى الثانية عشرة ظهرًا دون أي حركة، واستمر هذا النظام القاسي لـ 93 يومًا، ما تسبب في مضاعفات صحية شديدة وصلت إلى حد العجز عن الجلوس.
بعدها نُقل عبد الرحمن إلى سجن "عوفر"، حيث ازدادت حالته سوءًا، إذ عانى من صعوبة الوقوف أثناء العدّ اليومي المتكرر، وارتفاع شديد في الحرارة، وظهور ورم مؤلم أعلى الفخذ منعّه من الجلوس.
في أحد الأيام، سقط مغشياً عليه خلال العدّ، وترك على الأرض رغم خطورة حالته، حتى تدخل الطبيب الأسير أحمد موسى من مستشفى ناصر في خانيونس، الذي شخّص الحالة كتجمع التهابات داخلية كبيرة، إلا أن غياب الأدوات الطبية حال دون تقديم العلاج الكامل، فبقي عبد الرحمن دون علاج رغم المطالبات المتكررة.
الطريق إلى العيادة.. تعذيب مضاعف
عندما تقرر أخيرًا نقله إلى العيادة، تحول الطريق إلى جولة تعذيب جديدة، إذ كُبل بالأصفاد في اليدين والقدمين وعُصبت عيناه، وتعرض للضرب والإهانات، ثم اضطر للانتظار ساعتين جالسًا على أرض مليئة بالحصى، ما تسبب في جروح إضافية في يديه وقدميه.
عند دخوله العيادة، بدأ الطبيب بفتح الورم أعلى فخذه دون أي تخدير، واستمرت العملية نحو 45 دقيقة من الألم الشديد، وسط صراخ عبد الرحمن ونزفه للصبر حتى قال: "يا رب خذني عندك.. اقتلني وريحني".
ويؤكد "ضيف سند"، أن التخدير كان متاحًا، لكن الطبيب تعمد حرمانه منه لتكون تجربة الألم رسالة ردع لكل أسير يطلب العلاج، قبل وضع شاشات داخل الجرح لامتصاص الالتهابات.
لم ينتهِ التعذيب بانتهاء العملية، إذ تعرض عبد الرحمن للضرب على موضع الجراحة أثناء العودة إلى غرفته، وسط سخرية واستهزاء الجنود، رغم أنه خرج لتوه من عملية مؤلمة دون أي تخدير.
تم كتابة مضاد حيوي ومسكن ألم له، مع وعد بتقديمهما يوميًا، إلا أن الواقع اقتصر على جرعة واحدة فقط، ثم انقطع العلاج تمامًا، دفعه ذلك لاحقًا إلى رفض العودة إلى العيادة، مفضلًا تحمل الألم على تكرار تجربة وصفها بالكابوس.
ورغم كل المعاناة، يشير عبد الرحمن إلى أن تعافيه جاء جزئيًا بفضل تضامن الأسرى الآخرين، الذين قدموا له كمادات لتخفيف الحرارة وشاركوا جزءًا من أدويتهم، في ظل غياب أي نظام طبي يحترم الإنسان.
ويلفت إلى أنّ تجربة العملية بلا تخدير جعلته يخشى المرض حتى بعد الإفراج عنه، فيما تُظهر شهادته أن الرعاية الطبية في السجون منخفضة جدًا، غالبًا ما يُحرم المرضى المزمنون من أدويتهم.
أيضًا كان الجنود يتعمدون رمي الأدوية في القمامة أمام أعين الأسرى مع عبارات مثل: "لم يأتِ علاجك اليوم", في مشهد من الإذلال وكسر الكرامة الإنسانية، وفق شهادة عبد الرحمن.
وتؤكد تقارير حقوقية فلسطينية ودولية وأممية، أنّ سلطات الاحتلال تمارس الإعدام البطيء والعزل الانفرادي وتقييد الحقوق الأساسية للأسرى الفلسطينيين، بما يشمل الغذاء والرعاية الصحية والملابس وأدوات النظافة وحرمان الأطفال من أبسط الاحتياجات الأساسية.
ووصل إجمالي عدد الأسرى في السجون حتى نهاية عام 2025 الماضي إلى أكثر من 9300 أسير، من بينهم 3350 أسيرًا إداريًا (يشكلون 49% من الأسرى)، وفق تقرير صادر عن مؤسسات الأسرى.
ووثق تقرير المؤسسات استشهاد 32 أسيرا في سجون الاحتلال خلال العام 2025، من بينهم 10 أسرى من قطاع غزة، مشيرًا إلى أن عدد الشهداء الأسرى منذ حرب الإبادة بلغ 100، بينهم 83 قضوا نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.
