لم يكن الهجوم الذي استهدف مشتل الجنيدي في قرية دير شرف غرب نابلس في الثامن من يناير/ كانون الثاني الجاري، سوى حلقة في سلسلة اعتداءات منظمة تشنها عصابات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم في القرية ومحيطها، لإتاحة المجال أمام التوسع والتمدد الاستيطاني.
وإذا كانت الكاميرات قد وثقت اعتداء مجموعة من المستوطنين بوحشية على عامل مسن، فإن الكاميرات تبقى عاجزة عن توثيق كل اعتداء يرتكبه المستوطنون يوميا في المنطقة، في ظل الحصانة التي يحظون بها من المستوى السياسي والعسكري في دولة الاحتلال.
وهذا سابع اعتداء يتعرض له مشتل الجنيدي في السنوات الأخيرة، كما أنه الاعتداء الرابع الذي يتقدم أصحاب المشتل عقبه بشكوى رسمية لشرطة الاحتلال، وفي كل مرة تُقيّد الجريمة ضد مجهول، كما يقول شاهر الجنيدي أحد مالكي المشتل.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، تعرض المشتل لاعتداء كبير من المستوطنين، تم فيه حرق مكاتب الشركة ومخازنها، لتتجاوز الخسائر المليوني شيكل.
هجوم منظّم..
وفي تفاصيل الاعتداء الأخير، أوضح الجنيدي لـ"وكالة سند للأنباء" أن عشرات المستوطنين تجمعوا -عصرا- عند دوار دير شرف، قبل أن يتوجهوا لمهاجمة منشار حجر قريب، فحطموا مركبة صاحب المنشار، وعندما قاومهم اعتدوا عليه بالضرب الشديد.
وأضاف أن المستوطنين أضرموا النار بسيارة على الشارع الرئيسي، لكن سائقها تمكّن من الإفلات منهم وإطفاء الحريق بعيدا.

وتشير ملابسات مهاجمة المشتل إلى أن الهجوم كان منظما وبعد مراقبة طويلة، لافتًا إلى أن بوابة المشتل في العادة تكون مغلقة، وتفتح عن بُعد باستخدام جهاز "الريموت"، وقد وقّت المستوطنون هجومهم مع موعد مغادرة العمّال فكانت البوابة مفتوحة.
ولفت إلى أن المستوطنين سارعوا لحجب مستقبِل الإشارة في البوابة لمنع إغلاقها، ودخل 36 مستوطنا، وحطموا كل شيء صادفوه أمامهم، وأضرموا النار في 4 مركبات مستخدمين مواد سريعة الاشتعال.
وأثناء خروجهم، اعتدوا على عامل أصم وأبكم، وأصابوه إصابات شديدة لا زال يتلقى العلاج منها.
بؤرة رعوية
وتصاعدت اعتداءات المستوطنين في المنطقة منذ أن أقام مستوطن بؤرة استيطانية رعوية على أراضي سهل رامين المجاور لدير شرف، ليبدأ بمضايقة المزارعين ويمنعهم من الوصول لأراضيهم للعمل بها أو لقطف الزيتون، وأي حركة يقوم بها أي مزارع فإنه يتعرض للاعتداء بالضرب ومصادرة المعدات.
ويشير الجنيدي إلى أن المستوطن سيطر فعليا على نحو 3000 دونم في سهل رامين الذي يعتبر سلة غذائية مهمة ويُزرع بالمحاصيل الحقلية والصيفية.
ولتحقيق هدفه بربط البؤرة الاستيطانية بمستوطنة "شافي شمرون"، فإنه يسعى لإزالة كل ما يعترضه لتنفيذ هذا المخطط، ولهذا فإن هجمات المستوطنين تستهدف مشتل الجنيدي ومنشار الحجر وشركة تعبئة الغاز.
ويقول الجنيدي: "يريدون ترحيلنا من المنطقة، وهذا هدف واضح من شكل الاعتداءات".
ونجح الجنيدي بالتعاون مع الألمان الذين يدعمون مشروعا زراعيا على مساحة 3 آلاف دونم في المنطقة، باستصدار قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية لإزالة البؤرة الرعوية، لكن وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش منحها ترخيصا.
ورغم أن المنطقة التي يقع فيها المشتل مصنفة كمنطقة (ج) لكن المشتل قائم على أرض خاصة في هذه المنطقة منذ ما قبل اتفاق أوسلو، وهو ما يوفر نوعا من الحماية القانونية من الهدم.
ويظهر الاعتداء الأخير أن المستوطنين باتوا يشنون هجماتهم بشكل منظم ومباغت، بعد أن كانوا سابقا يستغلون وقوع أي عملية للمقاومة لتنفيذ اعتداءاتهم لتبدو وكأنها ردة فعل.
ويؤكد الجنيدي أن المستوطنين يراقبون تحركاتهم داخل المشتل، ويقول: "كثيرا ما نلحظ طائرات تصوير للمستوطنين في الأجواء. إنهم يراقبون تحركاتنا ويعرفون أعداد العمال والمركبات وغيرها من التفاصيل".
ويشير إلى أنهم حاولوا تعزيز الحماية وبناء سور حول المشتل، لكن الاحتلال كان يمنعهم من إضافة أي بناء على ما كان موجودا قبل "أوسلو"، وحتى السياج القائم يتم قصه بما لديهم من معدات، وفي ظل تواطؤ جيش وشرطة الاحتلال معهم.

اعتداءات متكررة
ويوميا، تشهد المنطقة اعتداءات متكررة من المستوطنين، لا توثق إما لعدم وجود كاميرات فلسطينية، أو لأن ضحاياها لا يبلغون عنها.
ويبين الجنيدي أن أكثر من 100 كاميرا مراقبة عالية الدقة تابعة للاحتلال منتشرة في محيط المشتل "تراقب حتى النملة"، لكن شرطة الاحتلال تتستر على المستوطنين.
في دائرة الاستهداف..
وفي السنوات الأخيرة دخلت دير شرف في دائر استهداف الاحتلال والمستوطنين، وأصبح اسمها يتكرر في نشرات الأخبار بوصفها إحدى نقاط الاحتكاك.
ويربط رئيس مجلس قروي دير شرف شادي أبو حلاوة بين تصاعد اعتداءات المستوطنين ومحاولاتهم السيطرة على الأرض.
ويوضح أبو حلاوة في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، أن إقامة البؤرة الرعوية بين دير شرف ورامين يهدف لإقامة مجمع استيطاني يضم مستوطنتي "شافي شمرون" و"قدوميم" والمشروع الاستيطاني في منطقة المسعودية، وصولا إلى مستوطنة "ترسلة" قرب بلدة جبع.
وينوّه، أن الاعتداءات بدأت على شكل تقطيع الأشجار قبل 4 سنوات، ثم اعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم.
ويكمل: "منذ 4 سنوات ونحن محرومين من التوجه إلى السهل للعناية بالأراضي الزراعية وقطف الزيتون. يطلبون منا الحصول على تنسيق، ومع ذلك يتم طردنا حتى بوجود تنسيق".
ويشير إلى أن الاحتلال كان يسمح لهم سابقا بدخول أراضيهم الواقعة داخل سياج المستوطنة لقطف الزيتون، لكن منذ 3 سنوات منعوا تماما من الوصول لأراضيهم، وتم اقتلاع أشجار الزيتون وشق طرق فيها.
ويبيّن "ضيف سند" أن الاحتلال والمستوطنين يعملون على مدار الساعة لبسط سيطرتهم على المنطقة، فقبل شهور تم وضع اليد على أراض على الشارع الرئيسي بحجة نقل حاجز دير شرف إليها، كما صادروا مساحة لشق طريق ترابية خلف شركة الغاز، وأقاموا بركسات وخيام للمستوطنين غرب "شافي شمرون" ومنعوا المواطنين من الوصول إليها.
وبعد أن كان المستوطنون ينفذون هجماتهم تحت جنح الظلام، أصبحوا ينفذونها في وضح النهار.
ويؤكد "أبو حلاوة" أن الهجمات تتم بالتنسيق ما بين المستوطنين وقوات الاحتلال التي تسارع لإغلاق حاجز دير شرف بمجرد تنفيذ المستوطنين أي هجوم.
وأوضح أن إغلاق الحاجز يقطع التواصل ما بين مركز القرية والأراضي الزراعية في السهل، على بُعد 3 كيلومترات، ما يمنع وصول طواقم الإطفاء والإسعاف والتي يتعمد الاحتلال تأخيرها.

