لا قسوة تُضاهي أن ترى جسدك يُنتزع منك وأنت حاضر تودعه، بلا تخدير، بلا خيار، سوى أن تتمنى الموت رحمة. في غزة، لا تبدأ القصص عند الإصابة، بل عند الصدمة الأولى التي تترك الإنسان عالقًا بين الحياة والموت. قصة العدّاءة رزان عماد خيرة ليست حكاية فقدٍ شخصي نتيجة حرب الإبادة، بل شهادة حية على حربٍ لا تكتفي بقتل الجسد، بل تسعى لكسر الروح، وتُقابَل بعزيمة وطموح.
رزان عماد خيرة (24 عاماً) فتاة شاركت في عشرات المسابقات وحصدت أكثر من ميدالية في سباقات الركض السريع والجري، فقدت ساقها وجزءًا من روحها بعد استهداف منزلها جراء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
يومان أشبه بالكابوس..
ففي مساء 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، استيقظت رزان على دويّ الصواريخ وهي تمطر منزل عائلتها في مدينة غزة. لتستيقظ فزِعةً تحاول النهوض من فراشها، إلا أنها كانت تسقط في كل مرة تقف فيها، لتتفاجأ بأنه "لم يكن هناك ساق، رجلي بُترت وأنا على السرير قبل ما أقوم".
وتصف "خيرة" في مقطع مصور تابعته "وكالة سند للأنباء" تلك الحادثة التي كانت أشبه بـ"الكابوس"، حيث نُقلت على عجل إلى عيادة الدرج في مدينة غزة، وقُدمت لها إسعافات أولية لوقف النزيف.
لم يكن لدى "خيرة" أي مجال للذهاب إلى مستشفيات المدينة كونها خارجة عن الخدمة بشكل كامل، ما اضطرها للذهاب رفقة 7 سيارات إسعاف إلى المستشفى الإندونيسي شمال القطاع، والذي يبعد عن بيتها 12 كيلومتراً، – بعد الحصول على تصريح من الاحتلال-.
تقول "خيرة"، "كانت الكارثة عندما وصلنا المستشفى الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة. لا أسِرّة، لا غرف مرضى، لا دم، ولا محاليل. الشهداء والجرحى يفترشون الأرض، وروزان واحدة منهم". حيث أُبلغت بحاجتها لعملية عاجلة، لكن السؤال هنا: أين؟ وبماذا؟ وكيف ستُجرى؟
عملية على الأرض.. تحت أزيز الرصاص.. دون تخدير..
استمر نزيف "خيرة" حتى الرابعة فجرًا، رغم محاولات جلب وحدات دم من مستشفى آخر. وعندما أُدخلت أخيرًا إلى غرفة العمليات، استهدف جيش الاحتلال الطابق الثالث من المستشفى، فوق رؤوس المرضى والأطباء، ليسقط 11 شهيدًا وعشرات الجرحى دفعة واحدة.
وبعد عدة محاولات خضعت رزان للعملية وكانت هُنا الصدمة، "لا تخدير كامل، كانت واعية، ترى وتسمع وتشعر بكل شيء"، وتضيف:" شعرت حينها بصدمة شديدة ووجهتُ سؤالي للطبيب، هل حقاً سأرى قدمي وهي تُبتر وتُكوى وأنا مُدركة دون تخدير؟ لا.. اتركني أستشهد أهون لي من الوجع والمعاناة التي سأراها مجدداً".
كانت "رزان" تأمل أن تنتهي العملية وتلقى بعدها قسطاً من الراحة، لكن العملية انتهت ووجدت الشابة نفسها ملقاة على أرضٍ باردة وبثيابٍ خفيفة، وفي فجرٍ ماطر، دون أن تجد والدها بجانبها.
وتساءلت "خيرة" عن والدها، البالغ من العمر 61 عامًا والذي اختفى فجأة، ليأتي لها لاحقاً فزِعاً وقد كان يبحث عن أي وسيلة لنقل ابنته الجريحة، بعد أن داهم جيش الاحتلال المستشفى بشكل فجائي.
وعلى عربة تسوق، حمل السيد عماد ابنته قائلاً: "سنخرج الآن، ونضع أرواحنا على أكفّنا، جيش الاحتلال على باب المستشفى".
قطع الأب وابنته مسافة 12 كيلومترًا سيرًا على الأقدام، تحت المطر، وفي ظل الطائرات المُسيّرة، في رحلة نجاة قاسية لا تشبه إلا مشاهد النزوح القسري – على حد قولها-.
فقدٌ آخر..
لكن المعاناة لم تنتهِ، فبعد أسبوعين فقط، استُهدف منزل العائلة مرة أخرى. خرجوا من تحت الأنقاض، لكن المأساة لم تكتمل بعد؛ فقد والد روان قدميه الاثنتين.
كانت "رزان" قد ورثت شغف الركض عن والدها الرياضي، الذي علّمها منذ طفولتها كيف تجري خلف حلمها. واليوم، بات الاثنان بلا أقدام.. وبذاكرة مثقلة بالفقد.
تحولت حياة "رزان" من فتاةٍ تطمح للعمل والدراسة وممارسة هوايتها، إلى إنسانة عاجزة عن الجري، عن إكمال تعليمها، وعن استعادة ما سلبته الحرب. لم تخسر ساقها فقط، بل خسرت جزءًا كبيرًا من عالمها.
لم تكن "رزان" تتخيل أن رحلتها مع الركض، التي طالما أوصلتها إلى منصات التتويج، ستنتهي بهذه القسوة، لكنها تأمل أن تصل يوماً ما إلى العالمية وإلى تحقيق حلمها الذي لطالما انتظرته.
5 آلاف حالة بتر..
وكشف تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في أيلول/ سبتمبر 2025 أن نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إصابات جسيمة تُعد مغيّرة للحياة، وتتطلب تأهيلاً مستمراً طويل الأمد.
وتضاعف تقريباً عدد هذه الإصابات خلال عام واحد فقط، حيث أشار التقرير إلى أن العدد المقدّر للإصابات المغيرة للحياة بلغ نحو 22,500 إصابة حتى تموز/ يوليو 2024.
وشملت الأنواع الأكثر انتشاراً من الإصابات الجسيمة المغيرة للحياة؛ إصابات الأطراف المعقدة، والبتر، والحروق، وإصابات الحبل الشوكي، والدماغ، والصدمات الشديدة التي تؤدي إلى فقدان دائم لوظائف الحركة أو الإحساس.
وتشير التقديرات إلى تسجيل عشرات آلاف الحالات من إصابات الأطراف الكبرى، إلى جانب أكثر من خمسة آلاف حالة بتر، ما يقارب 75% منها في الأطراف السفلية.
ووثق التقرير آلاف حالات الحروق الشديدة والإصابات في الحبل الشوكي والدماغ، إضافة إلى إصابات الوجه والصدر والبطن والحوض، التي تُعد جميعها من الحالات التي تتطلب تأهيلاً متخصصاً ومستمراً.
