في خيام النزوح المكتظة، حيث تختلط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار، ويعيش آلاف الأطفال بأجساد منهكة وجهاز مناعي ضعيف، يطلّ خطر صحي قاتل جديد على قطاع غزة: تفشّي التهاب السحايا البكتيري، الذي بدأ يحصد أرواح الأطفال وينذر بكارثة صحية وشيكة في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الطبية واستمرار الحصار الإسرائيلي.
في 23 يناير/كانون الثاني الماضي، احتفلت عائلة الطفلة ألين عصفور (11 عامًا) بتفوّقها الدراسي بعد حصولها على معدل 98% في الصف الثالث.
وبعد يومين فقط، بدأت ألين تشعر بتوعك شديد: تقيؤ متكرر، إسهال حاد، ثم ارتفاع خطير في درجة الحرارة. ظنّت العائلة بدايةً أن الأمر لا يتجاوز نزلة برد عادية بسبب البرد والعيش في خيام النزوح، لكن الساعات التالية كانت كفيلة بتحويل الفرح إلى مأساة.
وقد نُقلت ألين إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، حيث تلقت علاجًا أوليًا دون تشخيص دقيق، قبل أن تتدهور حالتها بشكل متسارع.
وبعد أيام من التشنجات وفقدان الوعي، اكتشف الأطباء إصابتها بالتهاب السحايا البكتيري. لم يمضِ سوى ثلاثة أيام حتى فارقت الحياة، لتصبح – حتى لحظة إعداد هذا التقرير – أول طفلة تُسجَّل وفاتها رسميًا بهذا المرض في قطاع غزة.
مخاوف من أعداد كبيرة من المصابين
بحسب وزارة الصحة والأطباء في غزة، سُجّلت ما لا يقل عن 15 حالة مؤكدة من التهاب السحايا البكتيري بين الأطفال، مع توقعات بارتفاع الأعداد في ظل الظروف المعيشية والصحية الكارثية التي يعيشها مئات آلاف النازحين.
ويقول مسؤولون صحيون إن التهاب السحايا البكتيري ينتقل عبر الرذاذ التنفسي أو التلوث البرازي، ما يجعل مخيمات النزوح في غزة بيئة مثالية لانتشاره.
فالاكتظاظ الشديد، غياب الصرف الصحي السليم، نقص المياه النظيفة، واستحالة تطبيق معايير العزل أو النظافة، كلها عوامل تسرّع انتشار العدوى.
وقال حمودة عصفور، والد ألين، إن أكثر من خمسين شخصًا يستخدمون مرحاضًا واحدًا خلال ساعة واحدة في المخيم، بينما يتكدس أكثر من خمسين طالبًا داخل خيمة تعليمية واحدة.
ويضيف: «لا أحد يعرف كيف أصيبت ألين، لأن المرض هنا يمكن أن يصيب أي طفل».
بدورها، تقول والدة الطفلة، علا عصفور، إن الأطباء أخبروها مبكرًا بأن لا أمل في إنقاذ ابنتها، رغم أنها كانت لا تزال تتنفس أمام عينيها. «أصعب ما مررت به في حياتي هو الانتظار، ساعة بعد ساعة، وأنا أرى ابنتي تموت ببطء»، تقول.
تحذيرات طبية من موجة أخطر
في مستشفى ناصر وحده، يتلقى تسعة أطفال حاليًا العلاج من التهاب السحايا، إضافة إلى حالات أخرى في مستشفيات الرنتيسي وشهداء الأقصى.
ويؤكد الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم طب الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، أن ما يثير القلق في هذه الموجة هو أن جميع الحالات المسجلة حتى الآن بكتيرية، وهي الأخطر والأكثر فتكًا مقارنة بالنوع الفيروسي.
ويحذّر الفرا من أن تأخر التشخيص – نتيجة الاكتظاظ الهائل ونقص الإمكانيات – قد يؤدي إلى مضاعفات كارثية، تشمل فقدان السمع والبصر، الشلل، تلف الدماغ، أو الوفاة.
ويشير الفرا إلى أن حالة ألين مثال صارخ على ذلك، إذ وصلت متأخرة بعد أن تراكم السائل في دماغها.
الجوع… العدو الخفي
إلى جانب سوء الصرف الصحي، يؤكد الأطباء أن سوء التغذية هو العامل الأخطر في تفشي المرض. فجميع الأطفال المصابين في مجمع ناصر يعانون من درجات متفاوتة من سوء التغذية، ما يضعف جهازهم المناعي ويجعلهم عرضة للإصابة حتى لو كانوا قد تلقوا اللقاحات.
ويضرب الفرا مثالًا بطفل يبلغ من العمر خمس سنوات، كان من المفترض أن يزن 20 كيلوغرامًا، لكنه وصل إلى المستشفى بوزن لا يتجاوز 9 كيلوغرامات.
ويضيف أن إصابة أطفال مُطعَّمين ببكتيريا خطيرة مثل المكورات العقدية «دليل واضح على الانهيار المناعي الناتج عن الجوع المزمن».
وقبل وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أُعلنت المجاعة رسميًا في غزة، حيث كان أكثر من 136 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار تواصل دولة الاحتلال عرقلة دخول المساعدات، ولا تلتزم بالحد الأدنى المتفق عليه من شاحنات الإغاثة.
حصار الدواء وانهيار الفحوصات
يزداد الوضع سوءًا مع استمرار الحظر الإسرائيلي على إدخال الأدوية والمضادات الحيوية اللازمة لعلاج الحالات البكتيرية.
ويقول الدكتور درويش أبو الخير، أخصائي طب الأطفال في مستشفى ناصر، إن المستشفى يستقبل نحو ألف طفل يوميًا في الطوارئ، ما يجعل الكشف المبكر شبه مستحيل.
ويضيف أن قدرة المختبر تكاد تكون معدومة وأن الطواقم الطبية باتت عاجزة عن إجراء الفحوصات اللازمة، ولا تملك سوى تقديم نصائح عامة للعائلات حول غسل اليدين والتعقيم، وهي نصائح يصعب تطبيقها في خيام مكتظة بلا ماء أو بدائل سكنية.
في غزة، لا يقتل الأطفال القصف وحده. فالجوع، والمرض، والحصار، باتت أسلحة صامتة لا تقل فتكًا، فيما يلوح التهاب السحايا كإنذار جديد لانهيار صحي شامل، يدفع ثمنه الأطفال أولًا.
لقراءة نص التقرير كاملا في موقع Mondoweiss أضغط هنا
