تتصاعد حالة الغضب والقلق في بلدة سبسطية شمال الضفة الغربية المحتلة، على خلفية خطة إسرائيلية للاستيلاء على موقع أثري واسع النطاق، يقول الفلسطينيون إنّها ليست سوى غطاء جديد لتوسيع الاستيطان وفرض السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الخاصة والعامة.
وبحسب ما نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقع آثار سبسطية على تلة تطل على البحر الأبيض المتوسط غربًا، وتحيط بها تلال الضفة الغربية المحتلة شمالًا وجنوبًا.
وتضم المنطقة كنيسة بيزنطية شبه مخفية، وأعمدة رومانية متناثرة بين أشجار الزيتون، إلى جانب بقايا أثرية تعود إلى عصور متعاقبة، من الكنعانيين وحتى العثمانيين. غير أن هذا الإرث التاريخي المتعدد الطبقات بات اليوم مهددًا بمشروع إسرائيلي يصفه السكان بأنه “مصادرة مقنّعة”.
الاستيلاء على كامل الموقع الأثري
في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تلقّى محمود عازم، رئيس بلدية سبسطية، إخطارًا رسميًا من السلطات الإسرائيلية يفيد بالاستيلاء على كامل الموقع الأثري الممتد على قمة التل المجاور للبلدة.
ورغم تداول تقارير على مدى سنوات عن نية دولة الاحتلال تنفيذ مشروع تطوير في المنطقة، إلا أن الإعلان الرسمي شكّل صدمة حقيقية للسكان، الذين يعتمد معظمهم، وعددهم نحو 3500 نسمة، على السياحة أو على زراعة الزيتون كمصدر أساسي للرزق.
وبحسب المخططات الإسرائيلية، يتضمن المشروع إنشاء مركز للزوار، وموقف للسيارات، وسياج يفصل الموقع الأثري عن البلدة، ما يعني فعليًا عزل السكان عن الآثار وعن بساتين الزيتون المتبقية، وحرمانهم من موردهم الاقتصادي الأساسي.
يقول عازم: “للأسف، دخلت سبسطية نفقًا مظلمًا. ما يجري عدوان على أصحاب الأراضي الفلسطينيين، وعلى أشجار الزيتون، وعلى المواقع السياحية، وهو انتهاك صارخ لتاريخ وتراث فلسطين”.
وتبلغ مساحة الأراضي التي تعتزم دولة الاحتلال مصادرتها نحو 182 هكتارًا (450 فدانًا)، في أكبر عملية استيلاء على أراضٍ بحجة مشروع أثري منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
ويؤكد ناشطون أن جزءًا كبيرًا من هذه الأراضي مملوك ملكية خاصة، ما يشكّل سابقة خطيرة حتى وفق المعايير الإسرائيلية نفسها.
في المقابل، يبرر مؤيدو المشروع الإسرائيليون الخطوة بالقول إن الموقع “مهمل منذ عقود”، وإن سبسطية كانت عاصمة مملكة إسرائيلية شمالية تُعرف باسم السامرة بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. لكن منتقدي المشروع يرون في هذه الرواية استخدامًا انتقائيًا للتاريخ بهدف تكريس السيطرة على الأرض.
الآثار كسلاح سياسي
يقول ألون أراد، من منظمة “إميك شافيه” الإسرائيلية غير الحكومية، إن علم الآثار يُستخدم هنا “كسلاح سياسي”، مضيفًا: “ما يُخطط له في سبسطية غير مسبوق من حيث الحجم. هذا المشروع لا يتعلق بالتاريخ، بل بالأرض والضم”.
ويقود مشروع إعادة التطوير، الذي تُقدّر كلفته بملايين الدولارات، سياسيون من حزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتطرف، الشريك في حكومة الائتلاف الإسرائيلي الحالية، الأكثر يمينية في تاريخ دولة الاحتلال.
وتشمل الخطة شق طريق التفافي جديد يتجاوز بلدة سبسطية بالكامل، ما يسمح للسياح بالوصول مباشرة من داخل دولة الاحتلال، بالتوازي مع توسيع مستوطنة يهودية كبيرة تقع على بعد نحو كيلومتر واحد من الموقع.
ويروّج وزير التراث الإسرائيلي أميخاي إلياهو، وهو من سكان إحدى المستوطنات ومن أبرز الداعين إلى ضم الضفة الغربية، للمشروع باعتباره “إحياءً للتراث الوطني”، قائلًا إن الهدف هو تحويل سبسطية إلى وجهة تستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويًا. غير أن الفلسطينيين يرون في هذه التصريحات محاولة لشرعنة واقع استيطاني جديد.
وتؤكد ولاء غزال، أمينة متحف محلي يقع في فناء مسجد يعود إلى القرن الثالث عشر، أن اختزال تاريخ سبسطية في حقبة واحدة أمر مضلل. فالمسجد الحالي كان في الأصل كاتدرائية صليبية، وقبلها كنيسة بيزنطية، ويضم قبر يوحنا المعمدان، في دليل على تعاقب الحضارات دون انقطاع.
وتقول: “لم يكن هناك فراغ سكاني هنا في أي وقت. التركيز على فترة واحدة فقط يخدم أجندة سياسية”.
ويحظر القانون الدولي على قوة الاحتلال التدخل في المواقع الأثرية أو تطويرها، كما أُدرجت سبسطية منذ عام 2012 على القائمة المؤقتة لليونسكو لمواقع التراث العالمي لدولة فلسطين.
ومع ذلك، يخشى السكان أن يُفرض المشروع بالقوة، كما حدث في مواقع أثرية أخرى في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة، جرى توظيفها لدعم الاستيطان وتغيير الرواية التاريخية.
ومع تراجع السياحة منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يواجه أهالي سبسطية مستقبلًا غامضًا. يقول محمود غزال، الذي يقع منزله ومتجره على خط السياج المزمع إقامته: “هذا المشروع سيدمر سبسطية. سيأخذون منا كل شيء”.
لقراءة نص التقرير كاملا في صحيفة الغارديان أضغط هنا
