في ركنٍ منسيّ من قطاع غزة، حيث اختلط غبار الحرب برائحة التراب المحروق، لم تستسلم السيدة آمال أبو منديل من مخيم المغازي وسط قطاع غزة لخراب طال النبات والحيوان والإنسان. فبين حقولٍ جفّت، وحظائر خلت من أصواتها، قررت أن تستأنف عملها من جديد، ليس بما تملك من مال فحسب، بل بما تملك من إصرار.
فمن وسط الدمار الذي ضرب القطاعين النباتي والحيواني خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، شقّت السيدة الفلسطينية "آمال" طريقها بخطى ثابتة نحو مشروع ريادي صغير، يحمل أملاً كبيراً كما اسمها.
أنشأت "أبو منديل" فقاسة لتفريخ البيض المخصب، وأطلقت مشروعها الخاص لإنتاج الصوص البلدي، في محاولة لإنعاش دورة الحياة في أرض أنهكتها الحرب، وضمان استدامة مشاريع السيدات وتوفير دخل ثابت للمشاركات، وسط تحديات جمة أبرزها انقطاع التيار الكهربائي.
مسؤولية مزدوجة..
لم تكن "أبو منديل" تعرف الكثير عن الزراعة، ولا عن معنى أن تخوض امرأة تجربة الريادة في مجتمعٍ مثقل بالأزمات. فقد تغيرت حياتها جذريًا بعد إصابة زوجها في حرب عام 2014 بقطعٍ كامل في النخاع الشوكي، ما تسبب له بشلل نصفي دائم.
منذ تلك اللحظة، وجدت "أبو منديل" نفسها أمام مسؤولية مزدوجة: رعاية زوجٍ مُصاب وإعالة أسرة بأكملها، دون أي مصدر دخل مستقر. ظلّت تكرّس وقتها للعناية به حتى عام 2019، فيما كانت فكرة المشروع الخاص لا تزال بعيدة عن واقعها، ومؤجلة أمام ثقل المسؤولية اليومية.
تقول "أبو منديل" في حديثها لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إنَّ نقطة التحول في حياتها قد جاءت على نحوٍ غير متوقّع. فخلال تصفحها مواقع التواصل الاجتماعي، لفت انتباهها إعلان صادر عن الصليب الأحمر يدعو للمشاركة في مشاريع ريادية لمعالجة مشكلات القطاع الزراعي.
وتشير ضيفتنا إلى أنها كانت تمتلك معرفة أولية اكتسبتها من عائلتها حول تربية الأغنام والدجاج وبعض الأعمال الزراعية، فبدأت تفكر في تحويل تلك الخبرة البسيطة إلى مشروع يراعي ظروفها الخاصة.
وبحكم وقوع أرضها في منطقة حدودية يُحظر فيها زراعة أي نبات يتجاوز ارتفاعه مترًا، حاولت "أبو منديل" على حد قولها تطوير فكرة مناسبة لهذا الواقع. مبينةً أن المحاولة الأولى لم تكلل بالنجاح، إذ اصطدمت بغياب الخبرة في إعداد خطط المشاريع الريادية، لتكتشف أن الفكرة وحدها لا تكفي دون أدواتٍ وإدارة مدروسة.

خطوة جديدة
وتصف "أبو منديل" لمراسلتنا أنَّ إصرارها على المحاولة من جديد قادها إلى الالتحاق بملتقى غزة للزراعة الحضرية، حيث انفتحت أمامها آفاق لم تكن تتخيلها.
تقول:" التقيت هناك برياديات يعملن في مجالات الإنتاج الحيواني، والتصنيع الغذائي، والإنتاج النباتي، واكتشفت أن في غزة نساء يقدن مشاريع متكاملة رغم قسوة الظروف".
وتتابع:" شعرت بفخرٍ كبير كامرأة وأنا أرى نماذج ناجحة أشاركها التحديات نفسها"، ثم انضمت "أبو منديل" لاحقًا، إلى برنامج "التعليم من أجل التوظيف"، حيث تلقت تدريبًا متخصصًا في إدارة المشاريع الزراعية الصغيرة، لتبدأ بتأسيس مشروعها على أسس أكثر مهنية واستدامة.
انطلقت أولى خطواتها الفعلية عبر مشروع بسيط في فكرته، عميق في أثره: تسويق البيض البلدي لصالح مربّيات الدجاج. بالنسبة لها، لم يكن المشروع مجرد نشاط تجاري، بل شريان الحياة لأسرتها، خاصة أنها المعيلة الوحيدة بعد إصابة زوجها.
وحقق مشروع "أبو منديل" -قبل حرب الإبادة استقراراً نسبياً؛ إذ كانت تجمع البيض أسبوعيًا من نحو 50 مربّية دجاج بلدي، تُصنّفه إلى مخصب وغير مخصب، ثم تسوّقه للمولات أو لأصحاب الفقاسات.
ومع تزايد الخبرة والثقة، خطت "أبو منديل" خطوة أكبر بتأسيس مزرعتها الخاصة، التي وصل عدد الدجاج فيها إلى 208 طيور، وأتبعتها بتربية غنم العساف والحمام، في محاولة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز استدامة المشروع.

الحرب دمرت كل شي..
لكن الحرب الأخيرة بدّدت سنوات من البناء في لحظات. حيث توضح لـ"وكالة سند للأنباء"، أن معظم المزارع قد تدمرت، وتوقفت عجلة الإنتاج، لتجد ضيفتنا نفسها مضطرة إلى تغيير مسارها مؤقتًا نحو التصنيع الغذائي، حيث بدأت بإعداد الغريبة والمهلبية بالكاسترد لتأمين دخل يسند أسرتها في ظل الانهيار.
ومع أول فرصة للعودة، استأنفت "أبو منديل" رحلتها في الإنتاج الحيواني، فأنشأت فقاسة لتفريخ البيض المخصب وإنتاج الصوص البلدي.
وتردف قائلة: "اليوم، لا يقتصر هدف المشروع على تحقيق دخل شخصي، بل يتعداه إلى إعادة بناء سلسلة إنتاج الدجاج البلدي، وضمان استدامة مشاريع السيدات المشاركات، وتوفير مصدر دخل ثابت يعيد إليهن بعض الأمان الاقتصادي".
لحظات فخر.. أول فقس.. وأول صوص
وتستذكر "أبو منديل" مع مراسلتنا أكثر لحظة محفورة في ذاكرتها، مع أول مرة عملت فيها الفقاسة وبدأ الصوص بالفقس. تصف شعور الفرح والفخر بأنه لا يوصف، معتبرةً أنَّ هذا تأكيد واضح أنَّ جهودها لم تذهب سدى.
بالنسبة لها، كانت هذه اللحظة أكثر من مجرد نجاح تقني؛ فهي رمز لإعادة الحياة لمشروعها، وإعادة الأمل للسيدات المشاركات، وسط صعوبات الحرب والنزوح والدمار الذي أحاط بالمزارع في قطاع غزة.

معيقات العمل..
ولا يخلُ الطريق من عقبات ثقيلة، فاستمرارية عمل الفقاسة كما ذكرت "أبو منديل" لمراسلتنا تعتمد بشكلٍ كامل على توفر الكهرباء، وهو تحدٍ يومي في غزة. إذ يؤثر انقطاع التيار بشكل مباشر على نسبة الفقس ونجاح الدورات الإنتاجية، ما يعرّض المشروع لخسائر محتملة في كل مرة ينقطع فيها التيار.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء التجارية، ما يضاعف تكاليف الإنتاج ويضغط على هامش الربح المحدود أصلًا. وبين انقطاع متكرر وصعوبة ضمان تيار ثابت، يبقى المشروع مهددًا في أي لحظة، رغم كل الجهود المبذولة للحفاظ عليه.
وتؤكد "أبو منديل" حاجتها إلى دعمٍ شامل يساند مشروعها في مرحلة التعافي، يشمل الإرشاد الفني، والاستشارات المتخصصة، وخطط تسويق فعّالة، إلى جانب حلول طاقة مستدامة تُخفف من عبء الكهرباء التجارية وتكاليفها المرتفعة.
وتوضح أن أولويتها لا تتمثل في تحقيق أرباح كبيرة بقدر ما تتمثل في ضمان الأمان والاستمرارية. تقول: إن بقاء المشروع صامدًا، حتى بعائد محدود، يعني توفير دخل مستقر لها وللسيدات المشاركات معها، ويمنحهن قدرة أكبر على مواجهة أزماتٍ لا تتوقف في واقع غزة الهش.
