بصوتٍ يرتجف بين الرجاء والانكسار، تقف أمٌّ من غزة على حافة الانتظار القاسي، لا تطلب المستحيل، لا تريد أكثر من كلمة واحدة: "يمّا".. ابنها ذو السبعة عشر عاماً اختفى في لحظة خاطفة، بين هدنةٍ قيل إنها أمان، وتوغّلٍ حوّل المدينة إلى فوضى واعتقالات.
منذ ذلك اليوم، صار قلبها معلقاً بين سجون الاحتلال وركام البيوت، تبحث عنه في كل خبر، في كل قائمة أسماء، وفي كل شائعة إفراج، تقول: "مشتاقة لكلمة أمي هنا… نفسي أحطه بحضني وأبوسه وأحكيله وين يما، اشتقتلك… مستعدة أدفع دم قلبي وأشوفه."
تحكي الأم تفاصيل اللحظة التي انكسر فيها اليقين: "قالوا في هدنة ورحنا على رفح، وبعدها تقدم الجيش في رفح واخترق الهدنة، لما تقدم الجيش شردنا من المدينة، أخدت أبنائي الصغار وهربت بهم، لكن ولدي قال لي: يما بدي أجيب جوالي. قلت له روح… ما مرقت ربع ساعة إلا قالوا جنود الاحتلال اعتقلوه، ما عمل إشي، عمره 17 سنة، ما شكّل خطر على حد."
قصة هذه الأم ليست استثناءً في قطاع غزة، بل وجهٌ من وجوه مأساة أوسع وأعمق.
فبحسب وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الشهداء منذ بدء الحرب 72,051 شهيداً، إضافة إلى 171,706 إصابات حتى 14 فبراير 2026، وسط صعوبات هائلة في انتشال المفقودين من تحت الأنقاض.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد المفقودين يتراوح بين 10,000 و11,000 شخص، فيما صرّح الدفاع المدني بوجود نحو 8,000 جثمان لا تزال تحت الركام.
الأطفال والنساء يشكلون قرابة 4,700 من إجمالي المفقودين المبلغ عنهم، بينما وثّقت جهات حقوقية أكثر من 10,000 بلاغ عن مفقودين ومختفين قسراً، بينهم آلاف يُعتقد أنهم في مراكز احتجاز إسرائيلية دون معلومات عن مصيرهم.
وتشير تقديرات إلى أن ما بين 2,000 إلى 3,000 مفقود يُعتقد أنهم داخل السجون الإسرائيلية.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، فإن عمليات الانتشال تسير ببطء شديد.
فقد تم انتشال 726 جثماناً فقط خلال الأشهر الماضية، في ظل دمار طال نحو 88% من الوحدات السكنية، ونقص حاد في المعدات الثقيلة وأدوات الفحص الجيني اللازمة لتحديد هويات الضحايا.
وحتى الآن، تم تسليم مئات الجثث المجهولة الهوية إلى وزارة الصحة عبر الصليب الأحمر، بينما تبقى آلاف العائلات عالقة بين الأمل والفقدان.
تصف الجهات المختصة ملف المفقودين بأنه من أصعب وأشد الملفات إيلاماً، إذ تتوقف عمليات الانتشال أحياناً بسبب استهداف آليات الإنقاذ، ما يترك الجثامين تحت الركام لأشهر طويلة. وقد حذرت مؤسسات حقوقية من أن إجمالي الضحايا، عند احتساب الوفيات غير المباشرة بسبب الحصار والجوع، قد يتجاوز 200,000 شخص.
وسط هذه الأرقام الثقيلة، يبقى صوت الأم أعلى من الإحصاءات، لا تعرف إن كان ابنها تحت الركام، أو خلف قضبان السجن، أو في قائمة انتظار تبادلٍ مؤجل. كل ما تعرفه أنها لم تسمع صوته منذ ذلك اليوم.
تقول وهي تمسح دموعها:
"نفسي الدول تحس فينا… في أسرى قطاع غزة. حرام اللي بصير.. بدي أملي عيني من شوفته."
