في شهر رمضان، تتجلى الروحانية في تفاصيل بسيطة؛ صوت الأذان في المساجد، ضحكات الأطفال عند رؤية فوانيسهم الملونة، وروائح الطعام التي تعبق من المطابخ المحلّية.
لكن في خيام النزوح بقطاع غزة، تحولت الطقوس المعتادة إلى ذكريات مؤلمة وانطفأت المآدب الرمضانية التي كانت تجمع الأحبة على مائدة واحدة.
هنا، بين الخيام الضيقة والصمت القاسي، يحلّ الفراغ مكان الاحتفالات، ويصبح رمضان شهرًا من الصبر والمعاناة، أكثر من كونه مناسبة للفرح والدفء العائلي.
طقوس مفقودة..
تفتقد راوية قنيطة (33 عاماً) دفء اللَّمة العائلية في رمضان، وأصوات الجيران التي كانت تملأ المكان حياةً وأُلفة؛ بعدما فرض عليها النزوح المتكرر واقعاً قاسياً، وجعلها تمكث تحت خيمة صغيرة ضيقة، بعيداً عن تفاصيل كانت تمنح الشهر معناه وطمأنينته.
تقول "قنيطة" لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إنَّ رمضان هذا العام هو أول رمضان لهم داخل خيمة نزوح، فقد كانوا في العام الأول رفقة إخوتها في بيت مستأجر، أما العام الثاني فقد عاد الأمل بهدنة "كاذبة" حيث قضوا رمضان في منزلهم.
وتضيف: "لكن رمضان هذا العام جاء، وقد أخذت الحرب جميع بيوتنا التي كانت تجمعنا في منطقة الكرامة شمال قطاع غزة وحي النصر، بيتاً تلو الآخر".
وبغصة في قلبها تحدث مراسلتنا: "تفرّق شمل العائلة بين من بقي في الشمال، ومن اضطر إلى اللجوء إلى خيام النزوح في دير البلح وسط القطاع، بعدما كانت تلك البيوت مأوى يجمعنا وسقفاً يضمّ دفء قربهم".
وكونها فتاة تحب إعداد الطعام، توضح لـ "وكالة سند للأنباء": "انعدمت رفاهية تحضير الطعام، والقدرة على إعداد الوجبات الرمضانية المعتادة".
وتُرجع "ضيفة سند" ذلك إلى الغلاء "المجنون" الذي اجتاح القطاع مع حلول رمضان، وإلى شُحّ السيولة الذي أثقل كاهل الناس وقيّد قدرتهم على توفير أبسط الاحتياجات.
وأكثر ما يُنغّص صفوها ووالدتها داخل خيمتهما هو انعدام الخصوصية؛ خصوصية الحديث، وخصوصية العبادة والصلاة. وتشير قائلةً: "كنتُ أنتظر رمضان لأختلي في غرفتي، أتفرّغ للعبادة ليلاً بهدوء وسكينة، وهو ما أفقده اليوم داخل خيام النزوح"، في واقعٍ يضيق فيه المكان، وتضيق معه مساحات الطمأنينة.
ذكريات..
أما الشاب محمود الحاج فينقلنا إلى بهجة وزينة رمضان المفقودة، يقول: "إن زينة البيوت الحقيقية استُبدلت بفوانيس ورقية بسيطة، وحبال زينة متواضعة تُعلَّق على شوادر الخيام"؛ في محاولة خجولة لاستحضار ملامح الفرح في واقعٍ يفتقر إلى أدنى مقوماته.
ويلفت النظر، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن أشد ما يُفتقد هو صلاة التراويح في مساجد خانيونس التي "اعتدنا عليها" سابقاً، مضيفاً: "بتنا الآن نحاول إحياء صوت الأذان والتراويح داخل خيامٍ اتخذناها مصليات"، في محاولةٍ لاستعادة بعض ملامح الروحانية التي غابت مع غياب المساجد.
ويستذكر قائلاً: "كُنا في بيتنا الذي هدمته الحرب نستمتع ونشعر بالأُنس في حضور المسحراتي، ونسارع إلى إعطائه بعضاً من خبزٍ وجبن".
ويستدرك: "لكن الآن نادراً ما نسمع صوته؛ إذ بات حضوره رمزياً لإيقاظ الأمل رغم قساوة الظروف، ناهيك عن الخوف من استهدافٍ غادر في ظل مواصلة جيش الاحتلال خرق اتفاق التهدئة في غزة".
"مقعد فارغ"..
وهذه السيدة "أم كرم"، النازحة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة؛ تقاسي جرحها الذي لا يندمل، إذ تعيش على وقع غياب زوجها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دون أن تعلم إن كان ما يزال على قيد الحياة أم استُشهد أو أُسر.
كما يغيب عن مائدتها الرمضانية أصغر أطفالها، الذي استُشهد إثر انفجارٍ من مخلفات الاحتلال في مكان نزوحهم، ليحلّ الفراغ مكان المقاعد التي كانت عامرةً بالحياة.
وتئن روحها تحت وطأة الغياب، فتقول لـ "مراسلة سند": "لا طعم لأي شيء، وأفتقد كل شيء، وعلى رأسهم زوجي الذي لم يبرد قلبي بمعرفة مصيره حتى اللحظة".
وفي صمتٍ يثقل القلب، تضيف "أُم كرم": "مهما كانت الزينة من حولي، فقد انطفأ قلبي، ومهما حاولنا استشعار جمال رمضان، يظلّ المقعد الفارغ على مائدتي أكثر الأماكن امتلاءً بالألم والحسرة".
