غادر جدران السجن مثقلاً بوجع الفقد، بعد أن غيّب الموت والده وهو خلف القضبان، لكن الصدمة الأكبر كانت في انتظار العناق الأول؛ فلم ينجح بالتعرف على نجله بعد سنوات التغييب.
الأسير المحرر غسان الأطرش من مدينة جنين، حكاية أسير عاد غريبًا إلى منزلٍ لم يترك فيه الموت مكاناً لملامح الذكريات.
وأفرجت قوات الاحتلال عن الأسير الأطرش، بعد 28 شهراً من الاعتقال الإداري في سجن النقب الصحراوي، عند حاجز الظاهريّة جنوب الخليل، علما أنه أمضى سنوات عدة قبل حرب الإبادة.
فقد الوالد
يختنق فرح الحرية بغصة الفقد، فالمسافة بين زنزانة الضيق وعتبة الدار التي خلت من عمودها تبدو أطول من سنوات الأسر ذاتها.
تحرر غسان ليجد الحرية ناقصة والبيت بارداً، يفتش في وجوه المهنئين عن ملامح أبيه، ويدرك بمرارة أن السجن لم ينتهِ حقاً، بل انتقل من قضبان الحديد إلى فراغ الوداع الذي لم يحضره.
وقال الأطرش إن اللقاء بالأهل لم يكن ضمن توقعاته الشخصية، وأن أصعب ما مر به هو وفاة والده، ومعرفته بالخبر بعد سبعة شهور من وفاته.
وأضاف أن عدم تعرفه على نجله خليل لحظة الإفراج عنه، ترك أثرًا نفسيًّا كبيرًا.
وضع صحي صعب
خرج المحرر الأطرش بجسد نحيل ومنهك، حيث غزا الهزال أطرافه وغارت عيناه بفعل الإهمال الطبي المتعمد.
وتعكس ملامحه الشاحبة ووزنه المتناقص قسوة الأيام التي عاشها خلف القضبان، فبدا كخيالٍ لجسدٍ أنهكه المرض والجوع، ليتحول تحرره إلى رحلة علاج شاقة لاستعادة ما سلبه السجن من عافيته.
وأشار إلى أن وزنه أصبح 47 كغم، بعد أن كان قبل الاعتقال 64، أسوة ببقية الأسرى داخل سجون الاحتلال.
وأكد المحرر غسان الأطرش أن حالته الصحية تراجعت بصورة كبيرة، حيث يعاني من اكتئاب، ودوخة مستمرة، والتهابات في الأمعاء، إضافة إلى ارتفاع إنزيمات الكبد.
لا مواقيت للصلاة والصيام
عاش الأطرش، كحال الأسرى في سجون الاحتلال، عزلة زمنية تامة، ما جعل إدراك دخول شهر رمضان أو مواقيت الصلاة تحديًا يوميًا يتطلب منه استبصار الوقت بالقلب لا بالعين، أو الاستفسار عن ذلك عبر زيارات المحامين التي تسمح بها إدارة السجون.
وأضاف أنه ومنذ اقتراب موعد شهر رمضان، كان الأسرى يسألون المحامين خلال الزيارات والمحاكم، وعن موعد حلول شهر رمضان، وذلك لعدم إخبارهم من قبل إدارات السجون.
وأشار إلى أن الأسرى يتعاملون مع الوقت من خلال الشمس، أما عن قضية الطعام، وخصوصا في شهر رمضان، ففضلا عن شح الكميات، يؤكد الأطرش أن السجانين كانوا يحضرون ثلاث وجبات مرة واحدة مساء، حيث كان الأسرى يوفرون جزءا منها للسحور.
ويلخص المحرر غسان الأطرش وضع السجون، بأنه كارثي وصعب، وبحاجة إلى تدخلات حقوقية ودولية لوضع حد للجرائم التي تمارس بحق الأسرى.
ظروف كارثية
وتشهد ظروف الاعتقال في سجن النقب الصحراوي مزيدًا من التضييق، في ظل استمرار الإهمال الطبي، ونقص كميات الطعام، وتراجع مستوى المعيشة داخل الأقسام.
وأوضح مكتب إعلام الأسرى، في بيان، أن عددًا من الأسرى يعانون أوضاعًا صحية مقلقة نتيجة ضعف الرعاية الطبية، حيث يواجه بعضهم التهابات ومشكلات صحية دون تلقي العلاج الكافي، فيما يعاني آخرون من أمراض جلدية تستدعي متابعة طبية عاجلة.
وبيّنت نتائج الزيارات الأخيرة انخفاضًا ملحوظًا في أوزان عدد من الأسرى، ما يعكس نقصًا واضحًا في التغذية.
كما أشار الأسرى إلى أن مواد التنظيف تدخل بكميات محدودة للغاية لا تتناسب مع أعدادهم، في ظل حالة اكتظاظ داخل الغرف.
وأضاف المكتب أن إدارة السجن عدّلت مواعيد تقديم الطعام خلال شهر رمضان، إلا أن الكميات بقيت محدودة، ما يجعل التغيير مقتصرًا على التوقيت دون تحسن فعلي في نوعية أو كمية الطعام.
وأكد المكتب أن الأسرى، رغم صعوبة الظروف، يحافظون على معنويات ثابتة، ويستثمرون شهر رمضان في العبادة والصلوات، داعيًا المؤسسات الحقوقية إلى متابعة أوضاعهم، والعمل على تحسين ظروف احتجازهم، والإفراج عن المرضى وكبار السن والمعتقلين إداريًا.
ووفق آخر المعطيات، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 9,300 حتى بداية شهر شباط/فبراير 2026، من بينهم 66 أسيرة، تضم طفلتين اثنتين، و350 طفلًا محتجزًا في سجني مجدو وعوفر.
ويعاني الأسرى تعذيبا وتجويعا وإهمالا طبيا، أودى بحياة العديد منهم، حسب تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية.
ويبلغ عدد المعتقلين الذين صنّفهم الاحتلال كـ "مقاتلين غير شرعيين" نحو 1,249 معتقلًا، ولا يشمل هذا الرقم جميع معتقلي قطاع غزة المحتجزين في معسكرات الجيش الإسرائيلي ضمن هذه الفئة.
