لا تشبه مائدة رمضان هذا العام في قطاع غزة ما كانت عليه يومًا. الأطباق قد تكون حاضرة، لكن الكراسي الفارغة أثقل من الجوع، والصمت أعلى من كل الأصوات.
وضمن سلسلة "حكاياتنا" التي تنتجها "وكالة سند للأنباء"، يتواصل توثيق نبض الناس كما هو؛ حكايات البيوت التي تهدّمت، والعائلات التي تفرّقت، والمقاعد الفارغة التي صارت شاهدًا يوميًا على فقدٍ لا يُختصر بصورة. هنا، لا تُروى القصص بالأرقام، بل بالأسماء والذكريات، وبحنينٍ يسكن تفاصيل الحياة في رمضان.
أطفالٌ فقدوا عائلاتهم في حرب الإبادة، يجلسون إلى موائد يتيمة لا تحمل أسماء من كانوا يعدون الطعام ويوزعون التمر ويمازحونهم قبل الإفطار. عبد الرحمن وبيان سالم ينظرون إلى الوجوه من حولهم بحثًا عن ملامح تشبه البيت، عن يدٍ تمسح رؤوسهم، عن صوتٍ يقول: "رمضان كريم" كما كان يُقال.
كبرتُ فجأة..
يقول الفتى عبد الرحمن سالم "كنا نجتمع على سفرة واحدة، ومسلسلات واحدة، وزينة رمضان واحدة، بنعمل كل إشي سوا"، يستعيد تفاصيل الأيام التي خلت حيث كانت الكراسي تمتلئ بأهلها، والأصوات تتداخل في بيتٍ يعرف معنى اللمة، وكانت الزينة تُعلّق بأيدٍ صغيرة تتسابق لتزيين الجدران قبل أن يصدح الأذان.
وبحزن بادٍ في صوته يصف: "اليوم، تبدلت الصورة. فقدت عيلتي إلِّي كنت أقعد معهم وأعلق زينة معهم.. راحوا، ما ضل حدا الحمدلله"، مضيفاً "رمضان يأتي، لكن بلا وجوههم".
“عبد الرحمن” لم يكن يتخيّل أن يأتي عليه يومٌ يصبح فيه الأب والأخ والسند دفعةً واحدة. بين ليلةٍ وضحاها، وجد نفسه واقفًا في وجه فراغٍ هائل، يحاول أن يسدّ مكان عماد العائلة الذي انكسر. لم يعد شابًا يفكّر في أحلامه الصغيرة، بل صار يفكّر كيف يحمي ما تبقّى، وكيف يجمع شتات بيتٍ بعثرته الحرب.
“ضايلي تنتين بنات صغار خواتي… بحاول ما أضغط عليهم، أساعدهم، أرجّع دفا العيلة لو إشي بسيط”، يقولها وهو يخبّئ خوفه خلف كلماتٍ متماسكة. بوجبةٍ يجلسون حولها، حديثٍ قبل النوم، يحاول إقناع قلبين صغيرين أن العائلة ما زالت هنا.. ولو بظلّها.
ويزيد:" ما بشوف خواتي بحس إنهم انقطعوا من شجرة، بحاول أكون إلهم كل إشي".
أما شقيقته بيان، التي لم تعرف من الحياة سوى أصوات القصف وتعاقب الحروب، فتختصر وجعها بكلمات قليلة: "رمضان فرق كثير، راحوا أهلي، ما بنقعد مع بعض على مائدة رمضان، ولا إشي له طعم".
ويداهمها الاشتياق فجأة، بلا استئذان: "بشتاق لبابا وخواتي وأمي.. بتمنى إنه يرجعوا أهلي"، تهمس، كأنها تدرك أن الأمنية أكبر من الواقع.
