أعلنت الولايات المتحدة مؤخرا أنها ستقدّم خدمات قنصلية، تشمل إصدار وتجديد جوازات السفر، للمواطنين الأميركيين المقيمين في مستوطنات إسرائيلية غير قانونية في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة هي الأولى من نوعها وتُمثّل تحولًا واضحًا عن السياسة الأميركية السابقة، وسط ترحيب إسرائيلي واسع وإدانة فلسطينية شديدة.
وقالت السفارة الأميركية في القدس المحتلة، في منشور على منصة X، إنها ستوفّر خدمات جوازات السفر الروتينية في مستوطنة إفرات جنوب الضفة الغربية، يوم الجمعة ولمدة يوم واحد فقط، وذلك ضمن مبادرة مرتبطة بالاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.
وأضافت السفارة أن هذه الخطوة ستتبعها ترتيبات مماثلة خلال الأشهر المقبلة في مستوطنة إسرائيلية ثانية هي بيتار عيليت، إضافة إلى مدينة رام الله وثلاث مدن داخل إسرائيل.
وتُعد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، التي تحتلها (إسرائيل) منذ عام 1967، غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وتقع مستوطنة إفرات على بعد نحو 12 كيلومترًا جنوب القدس، ويقطنها قرابة 12 ألف مستوطن، كثير منهم من حاملي الجنسية الأميركية.
تكريس واقع الاستيطان
قوبلت الخطوة الأميركية برفض فلسطيني رسمي. إذ قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية إن القرار يشكّل “انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وتفضيلًا صارخًا لسلطات الاحتلال”.
واعتبر رئيس الهيئة مؤيد شعبان أن هذه المبادرة “تكرّس واقع الاستيطان وتقوّض بشكل مباشر إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة”.
من جهتها، وصفت حركة حماس الخطوة بأنها “سابقة خطيرة” و”اعتراف عملي بشرعية الاستيطان الإسرائيلي وسيطرة الاحتلال على الضفة الغربية”، معتبرة أنها تمثل انتقالًا سياسيًا من الموقف الأميركي التقليدي إلى تبنّي الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض.
في المقابل، رحّبت الحكومة الإسرائيلية بالقرار. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن بلاده “تقدّر القرار المهم الذي اتخذته السفارة الأميركية بتوسيع نطاق الخدمات القنصلية لتشمل إفرات في يهودا والسامرة”، مستخدمًا التسمية التوراتية للضفة الغربية، في دلالة سياسية تعكس رؤية الحكومة الإسرائيلية للأرض المحتلة.
رفع التمييز عن المستوطنات
يرى مراقبون أن هذه الخطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز طابعها القنصلي. وقال هيو لوفات، الزميل الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن “نية وسياق هذه السياسة الجديدة بالغا الأهمية”، مشيرًا إلى أن الخلفية السياسية واضحة.
وأضاف لوفات أن السفير الأميركي لدى (إسرائيل) مايك هاكابي يُعد من أبرز المؤيدين لرؤية “إسرائيل الكبرى”، ويدعم تحقيقها في المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، معتبرًا أن تقديم خدمات قنصلية في المستوطنات يرسل إشارة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد تميّز عمليًا بين المستوطنات والمدن الإسرائيلية.
وتأتي هذه التطورات بعد أن صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، على إجراءات جديدة لتشديد السيطرة على الضفة الغربية وتسهيل شراء الأراضي للمستوطنين، وهي خطوات وصفها الفلسطينيون بأنها “ضم فعلي” للأراضي المحتلة، حتى دون إعلان رسمي.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن معارضته لضم الضفة الغربية المحتلة انسجامًا مع السياسة الأميركية المعلنة، فإن إدارته لم تتخذ إجراءات عملية لوقف التوسع الاستيطاني، الذي تسارع منذ توليه المنصب العام الماضي.
وتشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا ملحوظًا في إرهاب المستوطنين والغارات العسكرية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023. ففي الأسبوع الماضي، استشهد مواطن فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية برصاص مستوطنين خلال هجوم على إحدى القرى، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية وشهود عيان.
كما تعرضت منطقة مسافر يطا والقرى المحيطة بها في جنوب جبال الخليل لهجمات حرق متعمدة استهدفت منازل الفلسطينيين، في سياق اعتداءات متكررة تشهدها المنطقة منذ سنوات.
وتقدّم الولايات المتحدة حاليًا خدمات جوازات السفر والخدمات القنصلية في سفارتها بالقدس المحتلة، إضافة إلى فرع في تل أبيب. ويُقدّر عدد الأميركيين مزدوجي الجنسية المقيمين في الضفة الغربية بعشرات الآلاف.
ويعيش أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية، إلى جانب نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، في واقع يخضع فيه معظم الإقليم لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة، مع حكم ذاتي فلسطيني محدود في بعض المناطق.
ويرى منتقدون أن القرار الأميركي الجديد لا يكتفي بتجاهل هذا الواقع، بل يسهم في ترسيخه ومنحه غطاءً سياسيًا عمليًا.
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
