رغم قيود الاحتلال وانتهاكاته المستمرة، يبث المسجد الإبراهيمي في الخليل أجواءً روحانية خلال شهر رمضان المبارك، حيث يتوافد الآلاف لأداء الصلاة فيه، مؤكدين تمسّكهم بهويتهم، ويجسدون صمودهم وإصرارهم على أن تظل الحياة نابضة في أزقة البلدة وأروقة المسجد حتى في أصعب الظروف.
وتمتد هذه الحيوية إلى الأسواق والحارات المحيطة بالمسجد، إذ تنشط الحركة التجارية وتزدحم المحال بالمتسوّقين، في مشهد يعيد للبلدة القديمة نبضها، ويجسّد ارتباط الأهالي بالمكان خلال رمضان.
ويوضح مدير المسجد الإبراهيمي، معتز أبو سنينة، أن القيود الإسرائيلية على المصلين استمرت منذ بداية شهر رمضان، فرغم أنه من المفترض أن يُفتح المسجد الإبراهيمي بشكل كامل، إلا أن قوات الاحتلال أبقت أجزاءً منه مغلقة وسط تشديد إجراءاتها.
هذا الواقع، ضيّق الخناق على المصلين، وفرض واقعًا جديدًا على سكان البلدة القديمة في مدينة الخليل ومحيط المسجد، في تغيير وصفه "أبو سنينة" بـ "الجذري" في المنطقة.
ويشير أبو سنينة، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، لإقبال المصلين بشكل كبير على المسجد الإبراهيمي، رغم الإجراءات الإسرائيلية، مقارنة بالعام الماضي.
ويبيّن أن عدد المصلين والوافدين بلغ نحو 12 ألفًا في الجمعة الأولى من رمضان، رغم فتح مدخل واحد فقط بعد إغلاق الاحتلال بقية المداخل، الأمر الذي حدّ من قدرة الوافدين على الوصول إلى المسجد، ما انعكس على أعداد المصلين.
ويشير "أبو سنينة" إلى منع قوات الاحتلال دخول طواقم الهلال الأحمر والعديد من الخدمات المقدّمة للأوقاف، في سياق إجراءات تهدف إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين.
وبحسب إدارة المسجد، فإن هذه السياسات تأتي ضمن مساعٍ لتفريغ المسجد من سكانه الأصليين ومرجعياته الدينية والإدارية.
ورغم هذه القيود، تتواصل الفعاليات الدينية في المسجد الإبراهيمي خلال شهر رمضان من دروس ومواعظ، في محاولة لتعزيز الصمود والثبات وخدمة المصلين، خاصة في الشهر الفضيل، وفق "أبو سنينة".
انتهاكات متواصلة..
وسجّلت إدارة المسجد إبعاد عدد من موظفي الإبراهيمي، بينهم مدير المسجد الإبراهيمي الذي أُبعد 3 مرات خلال عام واحد لمدة 15 يومًا في كل مرة، إضافة إلى رئيس سدنة المسجد وعدد من العاملين.
ويرى "أبو سنينة" أن هذه الاعتداءات بحق الموظفين والعاملين تتصاعد بشكل شبه يومي، ويتم توثيقها وتحويلها للجهات المختصة.
"المدينة التي لا ينام فيها جائع"..
وبعد أداء صلاة الفجر، يتجه العاملون في المسجد الإبراهيمي للبدء بطهي الطعام وتحضير آلاف الوجبات التي تُوزع على المحتاجين والوافدين إلى المدينة التي عُرفت بـ "المدينة التي لا ينام فيها جائع".
كما تشهد التكية الإبراهيمية خلال شهر رمضان، مع ساعات الفجر، توافد العاملين لبدء طهي الطعام، حيث تُحضّر آلاف الوجبات للمحتاجين والفقراء في المدينة التي تُعرف بالمدينة التي لا ينام فيها جائع.
ويقول مدير التكية، حازم مجاهد، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن التكية تقدم خلال شهر رمضان وجبات طعام لنحو 5 آلاف شخص من الفقراء والمحتاجين بالمدينة، والتي باتت ملاذًا لهم في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في المدينة.
ويتم إعداد وجبات الطعام على يد طهاة مهرة، مما يحضره المتبرعون من لحوم أو دواجن، وسط حالة تنافس لكسب أجر إفطار الصائمين في رمضان، ما دفع إدارة التكية إلى دمج أكثر من متبرع في يوم واحد، بحسب "مجاهد".
وتعمل التكية منذ 744 عامًا، والتي أسسها صلاح الدين الأيوبي، على مدار العام، وكانت تقدم "شوربة سيدنا إبراهيم" لإطعام الفقراء والضيوف، ولا تزال رسالتها – كما يؤكد مجاهد – إنسانية تهدف إلى تقديم الطعام للفقراء بطريقة تليق بهم وتحفظ كرامتهم.
إحياء للبلدة القديمة..
من جهته، يشير الناشط في تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان بالخليل، عماد أبو شمسية، إلى أنه رغم كثرة الحواجز والتضييقات التي يفرضها جيش الاحتلال في البلدة القديمة ومحيطها، ولا سيما في المناطق المغلقة بمدينة الخليل، فإن الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك شهدت حضورًا واسعًا للمواطنين الفلسطينيين.
ويلفت "أبو شمسية"، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى توافد المصلين إلى الجوامع المحيطة، وفي مقدمتها المسجد الإبراهيمي، حيث انتظر كثيرون دقائق وساعات عند البوابات المغلقة حتى سُمح لهم بالدخول وأداء الصلاة، قبل أن يُغلق بعد اندلاع الحرب على غزة.
ويرى ضيفنا، أن هذا المشهد يؤكد تمسّك الفلسطينيين بهويتهم الوطنية والإسلامية، ورسالة واضحة بأن المسجد الإبراهيمي وقف إسلامي خالص للمسلمين، وأن الحضور الشعبي يعزّز الرواية الفلسطينية والحق في التواجد في قلب المدينة وأروقة المسجد الشريف.
ويؤكد أن الإقبال على البلدة القديمة والتسوق من محالها يسهم في دعم صمود التاجر الفلسطيني وأصحاب المحال الصغيرة، ويعزّز القيمة المعنوية لسكان البلدة القديمة في قلب الخليل.
ويشير "أبو شمسية"، إلى أن الحركة الشرائية الملحوظة، التي يجري توثيقها من متطوعي تجمع مدافعي حقوق الإنسان، تدعم الرواية الفلسطينية وتحدّ من التمدد الاستيطاني في قلب المدينة.
أجواء رمضانية تعيد الروح للأسواق..
وتسهم التخفيضات على الأسعار في عودة الحركة الشرائية إلى البلدة القديمة في مدينة الخليل، حيث يُقبل المواطنون على التسوق من المحال المنتشرة في محيط وأزقة البلدة القديمة، مستفيدين من العروض الرمضانية التي تنعش الأسواق، في ظل سعي التجار لجذب الزبائن وتخفيف الأعباء خلال الشهر الفضيل.
كما تجذب بسطات القطايف والمخللات المتسوقين في المدينة، ما أعاد شيئًا من الزخم الاقتصادي والنشاط التجاري إلى البلدة القديمة.
ويحدو التجار أمل بأن يشكّل رمضان فرصة لإعادة فتح المحال وتنشيط السوق، مطالبين باستمرار الحفاظ على هذا الانتعاش بحضور الزوار والمتسوقين على مدار العام.
ويقول محمد أبو عيشة، صاحب أحد البسطات في أزقة البلدة القديمة لمراسلنا، إن أجواء السوق مع بداية شهر رمضان جميلة وتشهد حضورًا قويًا من المتسوقين، وبدأت الحياة تدب في المكان، وهو ما ينعش الأسواق والحركة التجارية في المنطقة.
لكن أبو عيشة لا يخفي شكوكه من أن تعود هذه الحركة إلى طبيعتها بعد انتهاء رمضان، رغم أن الأسعار تبقى منخفضة طوال العام في محاولة من الباعة لاجتذاب المتسوقين، وسط مطالب للجهات الرسمية بتشجيع الحركة في تلك المنطقة على مدار العام.
