الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 7 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

رمضان في منازل الأسرى.. موائد مبتورة وقلوب معلّقة خلف الأسوار

حجم الخط
عائلات الأسرى في رمضان.jpeg
الخليل - وكالة سند للأنباء

مع كل أذان مغرب في رمضان، تمتد موائد الفلسطينيين عامرة بالطعام والدعوات، لكن آلاف الكراسي تبقى فارغة في بيوت ذوي الأسرى. هناك، لا يكتمل المشهد، ولا تهدأ القلوب؛ فمقعد الأب أو الأم أو الابن الغائب يتحوّل إلى وجع يومي، وأسئلة معلّقة لا تجد جوابًا: ماذا أفطروا؟ هل ذاقوا طعامًا يكفيهم؟ هل أُتيح لهم أن يصلّوا ويصوموا بكرامة؟.

ففي شهر يُفترض أن يجمع العائلة، يتكرّس الغياب قسرًا، وتتحول مائدة الإفطار إلى مساحة انتظار ثقيل، وأملٍ يتجدد بأن يكون رمضان المقبل موعدًا للحرية واللقاء.

وتزايدت مشاعر الخوف والقلق التي كانت تنتاب عائلات الأسرى على أبنائهم خلال العامين الماضيين، في ظل تصعيد الاحتلال الإسرائيلي من قمعه للأسرى، وممارسة سياسة التجويع في المعتقلات.

واعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، منذ بداية شهر رمضان، وفقًا لنادي الأسير الفلسطيني، أكثر من 100 مواطن من الضفة الغربية، بينهم سيدات وأطفال، إضافة إلى أسرى محررين أُعيد اعتقالهم، ممن كانوا يأملون أن يقضوا رمضان مع عائلاتهم، إلى جانب عائلات أخرى سيغيب عنها الأب أو الأخ لأول مرة في رمضان بسبب الاعتقال.

قرابة 9300 عائلة فلسطينية لأسرى لم يلتئم شملها في رمضان هذا العام بسبب الاعتقال، سواء للأب أو الأم أو الزوج أو الأخ، وتغيب عنها طقوس رمضان؛ فلن يصطحب الأسير هذا العام أبناءه وزوجته إلى صلاة التراويح، أو يذهب إلى السوق لشراء حاجيات رمضان، وسيُحرم أطفاله من هذه الفرحة، كما لن يقيم "عزومة رمضان" ويجمع الأقارب والأحبة على مائدة الإفطار.

مخاوف متزايدة

تعيش عائلة الأسير حمزة الرجوب(25 عامًا) من الخليل مخاوف متزايدة، وهي تنتظر من يطمئنها على مصير ابنها المصاب بالسرطان، دون أن يتلقى العلاج منذ شهور، لتضاف هذه المعاناة إلى فقدان وجوده على مائدة الإفطار، بعدما اعتُقل خلال فترة العلاج الكيماوي.

ويقول شقيقه صدام، إن قدوم شهر رمضان جدّد الأوجاع التي لم تنتهِ منذ اعتقال شقيقه، مشيرًا إلى أن العائلة تخشى من تدهور وضعه الصحي بسبب إصابته بسرطان الدم وتوقف تلقيه العلاج، ما يشكل مخاطر جدية على حياته.

ويضيف في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن العائلة تنظر إلى مقعد حمزة الفارغ عند تجمعها لتناول الإفطار، والدموع تنهمر من عيون الوالدة المريضة، وتنحبس في عيون الوالد مع غياب مشهد لمة العائلة وفرحتها بالتجمع على طاولة الإفطار، دون أن يجد وسيلة لتهدئة قلق الأم والأب.

"هل أفطر حمزة؟ هل استطاع الصيام؟ هل تناول علاجه اليوم؟" كلمات تكررها الأم مع كل لقمة تتناولها، لتلف أجواء الحزن والفراق البيت، مع دمعات الأم التي ينتابها الشوق والقلق والخوف من نقص الطعام والعلاج.

17 رمضان دون الأب

ومع قدوم شهر رمضان، كان الأمل يحذو عائلة الأسير عدنان حمارشة (58 عامًا) من جنين بالإفراج عنه في ثاني أيام الشهر الفضيل، ليلتئم شمل العائلة على مائدة الإفطار بعد سنوات طويلة من غيابه بسبب الاعتقالات المتكررة، التي تجاوزت 15 عامًا، أغلبها في الاعتقال الإداري.

واستكملت العائلة تجهيزاتها وهي تنتظر الإفراج عنه، لتُصدم خلال انتظارها على معبر الظاهرية، في الموعد المحدد للإفراج، بتمديد اعتقاله الإداري، بعدما أبلغهم بذلك أحد الأسرى المحررين.

وتقول ليلى حمارشة، ابنة الأسير، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن تمديد اعتقاله الأخير كان الأقسى على العائلة التي انتظرت قدومه خلال شهر رمضان، "لينغّص الاحتلال فرحتها، ويعيد مشهد غيابه 17 مرة خلال أشهر رمضان".

وتسرد "حمارشة": "الغصة ترافقنا مع كل لقمة نتناولها على مائدة الإفطار، وتتزاحم الأسئلة التي لا نجد لها جوابًا: ماذا أفطر؟ وهل عرف موعد الأذان؟ هل تناول طعام السحور أم صام بدونه؟ كيف يقضي يومه؟".

وتتابع: "لم يعد مكان سوى لمشاعر الحزن وهي تخيم على العائلة وهي تتجمع على مائدة الإفطار ومكان الوالد فارغًا.. كيف ونحن نفتقد ضحكاته وحنيته وعقله المتزن وقراراته الحكيمة في رمضان وغيره".

ولا يتوقف تفكير عائلة الأسير حمارشة بشأن حالته ووضعه الصحي، إذ إنه أسير مقعد ويعاني من عدة أمراض، وأمضى خلال اعتقاله الأخير عامين و4 أشهر وسط خوف وقلق على حياته، في ظل ما تمارسه إدارة السجون من ضرب وتنكيل وتجويع بحق الأسرى.

وتعرض الأسير حمارشة خلال سنوات اعتقاله لأساليب تعذيب ممنهجة من قبل سلطات الاحتلال، كان أقساها في عام 2014، حيث أُصيب بجلطة دماغية أثناء التحقيق معه، ما أدى إلى إصابته بشلل نصفي، ولم يعد يقوى على الوقوف على قدميه دون مساعدة.

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، فقد خضع آلاف الأسرى لسياسة التجويع المستمرة منذ ما يقارب العامين ونصف، واضطروا إلى الصيام في معظم الأيام، حيث تكتفي إدارة السجون بتقديم لقيمات قليلة لا تكفي إلا لإبقائهم على قيد الحياة.

كما حُرم الأسرى من أداء الصلاة جماعيًا، وفي بعض المعسكرات مُنعوا من حقهم في الصلاة واقتناء القرآن الكريم.

أول غياب في رمضان

نحو 70 عائلة فلسطينية ستفتقد الطعام الذي كانت تعدّه الأم أو الأخت أو الزوجة التي باتت أسيرة في معتقلات الاحتلال في الدامون ومراكز التحقيق، إضافة إلى عائلات نحو 350 طفلًا أسيرًا ستغيب الفرحة عن منازلهم.

عائلة الأسير محمد تيسير سليمان من الخليل، الذي لم يتجاوز الـ15 من عمره، استقبلت رمضان هذا العام كما ودّعت محمد لحظة اعتقاله بالبكاء والحزن.

وتقول والدته لـ "وكالة سند للأنباء" إن حلول رمضان في ظل غياب محمد، طفلهم المدلل، غابت معه كل الطقوس.

وتضيف: "أول مرة يغيب محمد عن المنزل، وهو الذي كنا ننتظره عند كل وجبة طعام، وأحرص على أن أضع له طبقه. يغيّبه الاعتقال اليوم في الشهر المحبب له بطقوسه التي كان حاضرًا فيها".

وتتابع: "محمد كان يصر على تجهيز أضواء وفوانيس رمضان في المنزل ومحيطه قبل قدوم الشهر، لكن هذا العام لم نستطع رؤية زينة رمضان بدون محمد".

وعند مائدة الإفطار، يغيب كرسي محمد، لكن حضوره لا يغيب عنهم؛ فتجلس الأم والأب وعيونهما تفيض بالدموع، يستعيدان صوته وضحكته، ويدعوان الله له لحظة الإفطار أن يعود قريبًا ليجتمع شمل العائلة من جديد.

عندما تغيب الأم في رمضان..

وللعام الثاني على التوالي، تغيب الأجواء الرمضانية عن عائلة الأسيرة كرم صادق موسى (53 عامًا) من قرية صرة بنابلس، التي اعتُقلت قبل ثلاثة أيام من شهر رمضان الماضي.

ويشير نجلها مجاهد، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن غياب والدته، التي لا تزال موقوفة، صعب ومؤلم، خاصة خلال شهر رمضان، وهي أم لثلاثة أبناء وشابة كانوا يأملون أن تجتمع بهم خلال رمضان.

وتجددت معاناة العائلة مع حلول رمضان هذا العام، حيث تغيب الأم والمربية عن كل تفاصيل الشهر، الذي اختفت طقوسه وأجواؤه مع غيابها.

ويضيف مجاهد: "كم كان صعبًا على الوالد والعائلة أن نجتمع حول مائدة الإفطار دون الأم، التي كانت تحرص على إعداد الوجبات، وتعلم بحدس الأمومة من يأكل، وما الطبق الذي يفضله كلٌّ منا، وتحضره أمامه دون أن يطلبه".