تواجه خطوط الإمداد الإنسانية في قطاع غزة ضغوطاً متزايدة في ظل القيود الإسرائيلية المشددة وخطط حظر عشرات المنظمات الإغاثية الدولية، الأمر الذي يترك مئات آلاف الفلسطينيين أمام خيارات محدودة للبقاء على قيد الحياة بحسب ما أبرز موقع ميدل إيست آي البريطاني.
وحذر الموقع في تقرير له من أن الخطة الإسرائيلية لحظر عشرات منظمات الإغاثة الأساسية العاصمة في قطاع غزة تترك الفلسطينيين أمام خيارات محدودة للبقاء على قيد الحياة.
وفي منزل متضرر جرى ترميمه بعد أن أصابه القصف الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة على غزة، وقفت تسنيم على ضوء الشموع تطبخ الفول لإعداد عشاء أطفالها خلال شهر رمضان.
ومثل غالبية سكان القطاع، تعتمد تسنيم بشكل أساسي على المساعدات الغذائية والمالية التي تقدمها المنظمات غير الربحية، والتي تشمل مواد غذائية أساسية مثل الفاصوليا والعدس والدقيق وغيرها من الاحتياجات اليومية.
وقالت تسنيم بينما كانت تتناول الإفطار مع زوجها وأطفالها الثلاثة: "يكفيني صندوق طعام واحد لمدة شهر تقريباً. إنه مصدرنا الرئيسي للغذاء. فقد زوجي وظيفته بسبب الحرب".
ارتفاع قياسي للفقر
تشير التقديرات إلى أن نسبة الفقر في غزة بلغت نحو 81.5 بالمئة، بعد أن أدت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية إلى تدمير واسع للبنية التحتية والأراضي الزراعية والمصانع، ما جعل الظروف المعيشية في القطاع شبه مستحيلة.
وفي يناير الماضي، تلقت 37 منظمة غير حكومية، من بينها "أطباء بلا حدود" و"منظمة إنقاذ الطفولة" و"أوكسفام" و"المجلس النرويجي للاجئين"، إشعاراً رسمياً من الحكومة الإسرائيلية يفيد بإمكانية تعليق تراخيصها في مارس بذريعة "متطلبات الأمن والشفافية".
وبعد تقديم التماس من قبل 17 وكالة إغاثة ضد القرار، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية أمراً قضائياً مؤقتاً يسمح للمنظمات غير الحكومية بمواصلة معظم أنشطتها.
مع ذلك، لا تزال العائلات والمرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه المنظمات يعيشون حالة من القلق الشديد.
قالت تسنيم: "يعتمد جميع النازحين الذين يعيشون في الخيام تقريباً اعتماداً كاملاً على المنظمات غير الحكومية لتوفير الغذاء والدواء والرعاية الصحية. بعض صناديق الطعام تحتوي على كل شيء وتبلغ قيمتها مئات الدولارات".
وأضافت: "لا نستطيع شراء الأسماك أو الفواكه أو كثير من الأشياء الأخرى، لكنها موجودة في صناديق الطعام، خصوصاً تلك التي تقدمها منظمة أوكسفام".
تهديد خدمات منقذة للحياة
يعتمد المواطن محمد الأسدودي بشكل كامل على خدمات منظمة "أطباء بلا حدود" للعلاج وإعادة التأهيل.
وأصيب الأسدودي برصاص قناص إسرائيلي عام 2018 واضطر منذ ذلك الحين إلى الخضوع لعدة عمليات بتر، كان آخرها خلال الحرب الأخيرة.
وقال الأب البالغ من العمر 39 عاماً: "بعد إصابتي، قضيت وقتاً أطول في عيادات أطباء بلا حدود أكثر من منزلي. إذا توقفت المنظمة عن العمل فسيكون ذلك الضربة القاضية للمرضى".
وأضاف: "إنهم الأفضل في غزة، أفضل بكثير من المستشفيات المحلية. يقدمون أدوية باهظة الثمن لا تتوفر مجاناً في القطاع".
وتشغل منظمة أطباء بلا حدود 15 مركزاً صحياً وعيادة في مواقع يسهل الوصول إليها، ما يسمح للمرضى، وخاصة مبتوري الأطراف، بالحصول على العلاج بسهولة.
وأوضح الأسدودي أن العيادة الحكومية للمبتورين بعيدة، والوصول إليها مرهق للغاية بسبب غياب وسائل النقل.
قيود إسرائيلية صارمة وشاملة
في بيان لها، قالت منظمة أطباء بلا حدود إن السلطات الإسرائيلية تواصل فرض قيود صارمة على توفير المياه والمأوى والرعاية الطبية، وتبقي السكان في ظروف معيشية قاسية، بينما يستمر العنف في قتل وإصابة الفلسطينيين يومياً.
وأضافت المنظمة أن حجم المساعدات الإنسانية التي تصل إلى غزة انخفض بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة.
خلال العام الماضي، دعمت منظمة أطباء بلا حدود سريراً واحداً من كل خمسة أسرّة في مستشفيات غزة، وساعدت في ولادة واحدة من كل ثلاث ولادات، وقدمت 913284 استشارة طبية للمرضى الخارجيين، إضافة إلى توزيع أكثر من 700 مليون لتر من المياه.
وفي شهر يناير وحده، قدمت المنظمة 83579 استشارة طبية للمرضى الخارجيين، وعالجت 40646 حالة طارئة، وقدمت الرعاية لـ5981 مريضاً مصاباً بصدمات.
وقالت كلير نيكوليه، منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود في غزة، إن المنظمة تشغل نحو 1200 موظف فلسطيني داخل القطاع وتدير عيادات متخصصة للغاية، من بينها عيادة الحروق التي يصعب تعويض خدماتها.
وأوضحت أن 26 موظفاً دولياً من المنظمة غادروا غزة بالفعل بعد قرار إسرائيل تعليق تراخيص المنظمات غير الحكومية.
وأضافت أن القيود الإسرائيلية على الإمدادات بدأت بالفعل تؤثر في عمليات المنظمة وتهدد وصول المواد الطبية الأساسية.
وقالت: "لحسن الحظ ما زالت لدينا بعض الإمدادات، لكنها ستنفد تدريجياً. إذا لم نجد طريقة لإدخالها فلن نتمكن من مواصلة العمل".
وأشارت نيكوليه أيضاً إلى أن القيود الإسرائيلية تقلص عدد الشهود الموجودين على الأرض لنقل حقيقة ما يجري.
وقالت: "أنا من يتحدث الآن إلى وسائل الإعلام ويشرح ما نراه. الصحفيون الدوليون لا يستطيعون دخول غزة، والصحفيون الفلسطينيون يتعرضون لهجمات شديدة، ما يعني أن طبقة أخرى من الشهود يتم إقصاؤها".
انتهاك إسرائيلي صارخ
من جانبه، قال يحيى محارب، وهو محامٍ متخصص في القانون الإنساني الدولي، إن تعليق عمل 37 منظمة دولية في فلسطين يمثل انتهاكاً واضحاً لالتزامات دولة الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها قوة احتلال.
وأوضح أن القانون الدولي يلزم سلطات الاحتلال بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وضمان قدرة المدنيين على العيش بكرامة.
وأشار إلى أن القيود تنتهك المادتين 55 و59 من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادتين 70 و71 من البروتوكول الإضافي الأول، إضافة إلى التدابير المؤقتة الصادرة عام 2024 عن محكمة العدل الدولية التي طالبت بضمان التدفق غير المقيد للمساعدات إلى غزة.
وقال محارب إن "هذه الإجراءات مرتبطة بشكل مباشر بالإبادة الجماعية المستمرة ضد المدنيين في غزة، وتشمل عرقلة ممنهجة للمنظمات الإنسانية وعلى رأسها وكالة الأونروا، ما يزيد من حدة الكارثة الإنسانية".
في السياق نفسه، قال موظف سابق في المجلس النرويجي للاجئين عمل في غزة خلال الحرب إن المنظمة قدمت دعماً حيوياً للأسر النازحة.
وشملت أنشطة المجلس توفير الخيام للنازحين، وتقديم مساعدات مالية، والمساعدة في استعادة الوثائق القانونية المفقودة، إضافة إلى توزيع الغذاء والخدمات التعليمية وتوفير مياه الشرب في المناطق التي تعاني من نقص المياه.
وأكد الموظف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن المجلس النرويجي للاجئين "لم يكن له أي دور في أي أنشطة سياسية".
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر، لا تزال دولة الاحتلال تفرض قيوداً على دخول السلع الأساسية إلى غزة، بما في ذلك الوقود والأجهزة الكهربائية، إضافة إلى استمرار القصف وإطلاق النار شبه اليومي على المدنيين قرب ما يسمى "الخط الأصفر" الذي يقسم القطاع.
تقول تسنيم: "نحن لا نثق بإسرائيل. قد تستأنف الحرب أو تغلق المعبر في أي وقت. إذا توقفت المساعدات، فكيف من المفترض أن يعيش الناس؟".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
