تتعرض القرى الفلسطينية بالضفة الغربية، لسلسلة متواصلة ومتصاعدة من الهجمات التي ينفذها المستوطنون بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما في المناطق القريبة من المستوطنات، وسط انشغال دولي بالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
ولم تعد تقتصر هذه الاعتداءات على مصادرة الأراضي أو اقتحام القرى، بل باتت تتخذ أشكالاً جديدة، من بينها ما يعرف بـ "الاستيطان الرعوي"، حيث يستخدم المستوطنون قطعان الأغنام والأبقار كوسيلة لفرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتطورات الحروب والصراعات الإقليمية، تتصاعد على الأرض في الضفة الغربية سياسات الهدم والتجريف والاعتداءات المسلحة، في ظل غياب واضح للمحاسبة الدولية.
قرية سوسيا جنوب الخليل، شهدت واحدة من أحدث هذه الاعتداءات الدامية، بعدما أطلق مستوطن وجندي إسرائيلي النار على المواطنين، ما أدى إلى استشهاد شاب وإصابة آخرين، في مشهد يعكس حجم الخطر الذي يواجهه الفلسطينيون يومياً في مناطق الاستيطان.
وأمس السبت، استشهد الشاب أمير محمد شناران، وأصيب شقيقه خالد بجروح خطيرة بعد أن أطلق مستوطنون مسلحون النار عليهما من مسافة قريبة في منطقة واد الرخيم بمسافر يطا.
وفي قرية أبو فلاح، شمال شرقي مدينة رام الله، لم يختلف الأمر كثيرًا؛ فقد تعرضت القرية لاعتداء من المستوطنين تخلله الهجوم على المنازل والممتلكات وإطلاق الرصاص الحي والغاز السام؛ ما أدى لاستشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة 5 آخرين بجروح متفاوتة.

توتر متصاعد..
من جهته، يحذّر الناشط ضد الاستيطان بشار قريوتي، من التصاعد الخطير في اعتداءات المستوطنين وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية. مؤكداً أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التوتر في ظل سياسات ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني، خاصة في المناطق المصنفة "ج" والتجمعات البدوية.
ويقول قريوتي لـ "وكالة سند للأنباء"، إن ما يسمى بـ "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال تواصل تنفيذ سياسات تضييق وهدم تطال مختلف نواحي الحياة الفلسطينية.
ويُشير إلى أن عمليات الهدم والتجريف تتسارع بشكل كبير، خصوصاً في مناطق جنوب ووسط الضفة والأغوار، حيث جرى تدمير معظم التجمعات البدوية وتهجير سكانها، في إطار مخطط يهدف إلى تفريغ هذه المناطق من سكانها الفلسطينيين.
ويضيف: "صعّد المستوطنون اعتداءاتهم مؤخرًا على القرى والبلدات الفلسطينية القريبة من المستوطنات، مستهدفين المنازل والأراضي والممتلكات".
ويبيّن، أن بلدة قريوت كانت من المناطق التي شهدت اعتداءات عنيفة، أسفرت عن استشهاد شقيقين داخل منزليهما أثناء محاولتهما الدفاع عن ممتلكاتهما.
ويعتمد الاحتلال على ذرائع أمنية أو حجج تتعلق باعتبار الأراضي "أراضي دولة" لتنفيذ قرارات الهدم، في حين تُمنح مهل قصيرة جداً للمواطنين لتقديم أوراق الملكية، قبل أن تباغتهم جرافات الاحتلال باقتحام المناطق وتنفيذ عمليات الهدم بشكل مفاجئ، وأحياناً دون إبلاغ مسبق، وفق القريوتي.
ويُنوه "ضيف سند"، إلى أن هذه السياسات تترافق مع حملة عسكرية واسعة في مختلف مناطق الضفة، حيث تنفذ قوات الاحتلال اقتحامات واعتقالات متواصلة تحت ذريعة "حالة الطوارئ".

ويردف: "بينما يجري عملياً فرض وقائع جديدة على الأرض تهدف إلى إحكام السيطرة على معظم الأراضي، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، التي لم يتبق للفلسطينيين فيها سوى مساحات محدودة".
وينتقد الناشط الفلسطيني "حالة الغياب" الدولي والإعلامي تجاه ما يجري في الضفة الغربية، قائلاً إن الاهتمام الدولي ينصب حالياً على احتمالات الحرب بين إيران و"إسرائيل"، بينما تتواصل على الأرض جرائم التهجير والهدم والاعتداءات اليومية بحق الفلسطينيين دون محاسبة أو متابعة حقيقية.
اعتداء مركب
وفي سياق متصل، يقول الناشط في مقاومة الاستيطان نصر نواجعة، إن مستوطنين مسلحون نفذوا اعتداءً خطيراً على قرية سوسيا جنوبي مدينة الخليل، أمس السبت، حيث بدأ التوتر منذ ساعات الصباح عندما اقتحم أحد رعاة المستوطنين المنطقة، قبل أن تتطور الأحداث لاحقاً مع دخول قطيع أبقار تابع للمستوطنين إلى أراضي القرية.
ويوضح نواجعة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الأهالي حاولوا صد الاعتداء، ما دفع أحد المستوطنين إلى استدعاء جندي إسرائيلي، ليقوم الأخير بإطلاق النار مباشرة تجاه المواطنين، ما أدى إلى إصابة 4 فلسطينيين بالرصاص والضرب، فيما استشهد الشاب أمير بعد إصابته برصاصة مباشرة في العنق، بينما أصيب آخر برصاصة دخلت من الجهة اليمنى واستقرت في صدره.
ويضيف: "الاعتداء الذي شهدته قرية سوسيا جاء في إطار تصعيد خطير لاعتداءات المستوطنين". موضحاً أن الأحداث بدأت منذ ساعات الصباح الباكر عندما دخل راعي أغنام من المستوطنين إلى محيط القرية برفقة مجموعة من المستوطنين.
ويوضح ضيفنا، أن التوتر تجدد في ساعات العصر عندما أدخل المستوطنون قطيعاً من الأبقار إلى أراضٍ فلسطينية في المنطقة المصنفة (ب) قرب القرية، الأمر الذي دفع الأهالي للاعتراض على هذا التعدي.
ويلفت النظر إلى أن أحد المستوطنين استدعى شقيقه، وهو جندي إسرائيلي يخدم ضمن ما وصفه بـ "جيش المستوطنين"، ليقوم الأخير بإطلاق النار بشكل مباشر صوب المواطنين.
ويشدد على أن ما جرى يندرج ضمن سياسة ما يسمى بـ "الاستيطان الرعوي"، التي يعتمدها المستوطنون مؤخراً في مناطق جنوب الضفة، حيث يتم إدخال قطعان الأغنام والأبقار إلى أراضي الفلسطينيين والاقتراب من المنازل ومناطق الرعي، بهدف الاستيلاء التدريجي على الأراضي وفرض واقع جديد بالقوة.
ويؤكد نواجعة أن هذه السياسة باتت تشكل خطراً كبيراً على حياة الفلسطينيين في القرى القريبة من المستوطنات، إذ تتحول قطعان الماشية إلى أداة لفرض السيطرة على الأراضي، بينما يتعرض السكان والمزارعون والرعاة وحتى المصلون في المساجد القريبة من تلك المناطق لاعتداءات متكررة من المستوطنين المسلحين بحماية قوات الاحتلال.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد نفذت قوات الاحتلال والمستوطنون خلال شهر فبراير/ شباط الماضي 1965 اعتداء، تركزت في محافظة الخليل بواقع 421 اعتداء، فيما بلغ عدد اعتداءات المستوطنين 511 اعتداء استهدفت القرى والتجمعات البدوية الفلسطينية، كان نصيب محافظة الخليل منها 138 اعتداء.

