بين أنقاض غزة وتحت سمائها المثقلة بأصوات الموت، تنطفئ براءة الطفل محمد (6 سنوات)، الذي لم تعد طفولته سوى سلسلة من الانهيارات النفسية والصرخات المكتومة.
محمد ليس مجرد رقم في إحصائيات الحرب، بل هو روحٌ بريئة تطاردها أصوات الصواريخ في منامها ويقظتها، في واقعٍ مرير انعدمت فيه سبل النجاة والدواء، ليصبح حقه في "الحياة والسكينة" رهين تدخلٍ إنساني عاجل ينقذه من جحيم الصدمات التي فاقت قدرة جسده الغض على الاحتمال.
ولم تكن رحلة النزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه بالنسبة للطفل محمد مجرد تغيير للمكان، بل كانت رحلةً قاسية نحو "سجنٍ نفسي" بدأت جدرانه تضيق عليه يوماً بعد يوم.
محمد، الذي شهد مجازر الاحتلال التي أبادت عددًا من أقربائه وأحبته، لم يعد يخشى الموت بالقصف فحسب، بل بات الموت يتسلل إليه من داخل خلايا دماغه.
يستيقظ محمد من نومه بقفزات هستيرية وصرخات تمزق هدوء الليل، يرتجف جسده النحيل وهو يصرخ: "الجدران ستقع عليّ!". هذه الكوابيس ليست مجرد خيالات أطفال، بل هي ترجمة طبية لـ "زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ"، وهو تشخيص أكده الأطباء نتيجة الصدمات النفسية العنيفة التي تعرض لها بعد فقده لجده وعمه وعمته وأخواله في غارات متفرقة.
وفي غزة التي تئن تحت وطأة "حرب الإبادة"، تصبح حبة الدواء حلماً بعيد المنال، والد محمد، الذي يقف عاجزاً أمام نوبات ابنه اليومية، يتحدث بمرارة عن واقعٍ مرير: "العلاج المفقود هو شريان الحياة الوحيد لمحمد، والمتوفر في الصيدليات هو دواء منتهي الصلاحية بسبب الحصار ومنع دخول المستلزمات الطبية".
ويتساءل الأب بوجع: "هل يُعقل أن ينجو ابني من المجاعة والقصف، ليُترك فريسة للمرض النفسي والعصبي لأن العالم عاجز عن إدخال علبة دواء؟".
وتتفاقم حالة محمد مع كل دويّ انفجار؛ فصوت القصف يمثل "الصاعقة" التي تزيد من اضطراب كهرباء مخه، مما يدخله في نوبات تشنج وبكاء لا تتوقف.
ويطالب ذووه اليوم المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، بضرورة التدخل الفوري لنقل محمد إلى خارج القطاع، مؤكدين أن حقه في "الرعاية الصحية" هو حق أصيل أقرته المواثيق الدولية، لكنه في غزة يبقى "معلقاً" حتى إشعار آخر.
