في زاوية صغيرة من مركبة عائلة علي بني عودة، كانت الفرحة تملأ المكان، وضحكات الأطفال الأربعة، عثمان، ومحمد، ومصطفى، وخالد، تتسابق مع نبضات قلوب والديهم، علي ووعد.
كانت الوجهة بسيطة كبساطة أحلامهم؛ "شراء ملابس العيد"، فلم يدر بخلد الأب الثلاثيني وهو يقود سيارته، أن يد الغدر تتربص بخيوط الفرح التي يغزلها لأطفاله.
ووقعت المجزرة، فجر اليوم الأحد، بعد إطلاق قوات الجيش الإسرائيلي النار على مركبة داخل بلدة طمون جنوب مدينة طوباس، ما أدى إلى استشهاد أربعة مواطنين من عائلة بني عودة بعد إصابتهم بالرصاص الحي وهم علي خالد صايل بني عودة (37 عاما)، ووعد عثمان عقل بني عودة (35 عاما)، وطفلاهما محمد (5 أعوام) وعثمان (6 أعوام).
وبينما كانت القبلات البريئة تتنقل بين وجنات الأب والأم، ظهرت فجأة قوة إسرائيلية خاصة تستقل مركبة مدنية تحمل لوحات تسجيل فلسطينية. ودون سابق إنذار، انهمر وابل من الرصاص الكثيف والمباشر على السيارة التي لم تعد "مكاناً آمناً"، بل فخًّا للموت.
الصرخة الأولى كانت للأم وعد بني عودة (35 عاماً)، التي حاولت بجسدها حماية صغارها، لكن الرصاص اخترق رأسها ووجهها، لترتقي شهيدة وهي تردد كلماتها الأخيرة "خلااااص..".
الأب علي بني عودة (37 عاماً) لم يسعفه الوقت لإنقاذ عائلته، حيث أصيب برصاصات قاتلة في الرأس والصدر والوجه.
وبلغت المأساة ذروتها بمحاولة الصغير خالد حماية شقيقه عثمان (7 أعوام)، لكن الموت كان أسرع، فاستشهد عثمان ولحق به شقيقه محمد (5 أعوام) بعد إصابتهما بجراح بليغة في الوجه والرأس، بينما نجا الطفلان مصطفى وخالد من الموت المحقق، لكنهما حملا في أجسادهما شظايا الرصاص، وفي أرواحهما ندوباً لن تمحوها السنين.
ذهبوا لشراء ملابس العيد، وعادوا ليرتدوا وجع الفقد للأبد. اليوم، خيّم الصمت وغابت القبلات، وبقيت بلدة طمون تنعى عائلةً أُبيدت وهي في طريقها لصناعة ذكرى سعيدة، فصارت هي الذكرى الأكثر إيلاماً.
يتحدث الصغير خالد، والضماد يغطي جزءاً من رأسه المثقل بشظايا الرصاص، وذكريات ليلة لا تشبه ليالي الأطفال. بكلمات مخنوقة بالدموع وبراءة مكسورة، يروي تفاصيل الدقائق الأخيرة لعائلته:
"بقينا بالسيارة... صار علينا إطلاق رصاص مباشر. حاولت أقلب أخوي محمد مقدرتش. إمي صرخت خلاااص واستشهدت.. ما حدا طلع سليم إلا أنا وأخوي مصطفى".
هذه الشهادة الحية من طفل لم يتجاوز سنوات عمره القليلة، تلخص كيف يبيد رصاص المحتل وطناً صغيراً ويترك طفلاً يواجه العالم بقلب مثقل بالفقد.
وأدانت فصائل وفعاليات فلسطينية شعبية ورسمية، مجزرة بني عودة، معتبرة الحادثة جريمة بحق المدنيين الفلسطينيين، واستمرار لنهج الإبادة الإسرائيلي.
وطالبت في بيانات منفصلة، بمحاسبة المسؤولين عن المجزرة، وتصعيد المواجهة مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية.
