الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 8 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

مائدة العيد في غزة.. محاولات لإعادة طقوس سُلبت خلال عامي الحرب

حجم الخط
أكلات العيد في غزة.jpeg
غزة – فاتن عياد الحميدي – وكالة سند للأنباء

في أول أيام عيد الفطر، يحاول الغزيون انتزاع الفرح من بين الركام، متكئين على طقوسٍ متوارثة تشبههم وتعكس صمودهم؛ حيث يتصدر الفسيخ موائد الصباح، برائحته النفاذة التي تعلن بدء العيد، إلى جانب السماقية الغزاوية بطعمها الحامض الدافئ، كأنها تختزل حكاية مدينةٍ أتقنت المزج بين الألم والحياة.

ورغم الغلاء الخانق، وضيق الحال، واستمرار انتهاكات وقف إطلاق النار، يُصرّ الناس هنا على الاحتفاء بما تبقى من تفاصيلهم الصغيرة؛ كأن إعداد هذه الأطباق لم يعد مجرد عادة، بل فعل مقاومة يومي، ورسالة صامتة تقول إن غزة، مهما أُثقلت بالجراح، لا تزال قادرة على استقبال العيدولو بقلبٍ مثقل وابتسامةٍ تقاوم الانكسار.

سيِّد السفرة بعد غياب..

تقف السيدة هدى زيدان أمام الموقد، تُسقط حبات الفسيخ في الزيت، فتتصاعد رائحته كإعلانٍ صريح عن بدء العيد. بعد حرمانٍ امتد لعامين، تحاول استعادة ما أمكن من طقوسٍ كانت يومًا عنوانًا للبهجة قبل أن تسرقها الحرب.

تقول "زيدان" لـ "وكالة سند للأنباء"،إن أسعار الفسيخ والأسماك بلغت مستويات خيالية في الآونة الأخيرة، بفعل الإغلاق المستمر للمعابر وشحّ دخول البضائع، حيث وصلت إلى 90 شيكل للكيلو الواحد مشيرةً إلى أنها لا تزال مرتفعة حتى الآن، وإن بدت أخفّ قليلًا مما كانت عليه.

وتحاول "زيدان" اليوم استعادة بعض طقوس العيد التي سُلبت خلال عامي الحرب، ولو بالحد الأدنى من خلال الطبق الرئيسي على مائدة العيد، الفسيخ، إلى جانب قلاية البندورة.

وتضيف: "سنكتفي بطبق الفسيخ وحده في ظل الغلاء الكبير في أسعار الخضراوات، حتى لو كان الطبق ناقصًا، فهو أفضل من لا شيء".

سُمَّاقية حرَّاقة

وكما أنَّ عددًا كبيرًا من الناس يحرصون على تناول الفسيخ في أول أيام العيد، فتحرص العديد من العائلات الغزّية الأخرى على تناول السماقية الحارة، (السلق مضافاً له الحمص والسماق واللحمة).

وتُعدّ السماقية من أبرز أطباق عيد الفطر في قطاع غزة، وتحضر كذلك في مختلف المناسبات؛ إذ تحرص العائلات على إعدادها قبل يوم، لتُوزَّع لاحقًا على الجيران والأحبة، في تقليدٍ يعكس روح التكافل والترابط الاجتماعي.

تصف السيدة كفاح أبو هدة طقوس العيد في غزة كما كانت يومًا: كعك ومعمول تُعدّهما الأيادي بحب، سماقية تُطهى للأهل وتُرسل للأحبة، وفسيخ ورنجة يتصدران المائدة، فيما لا تغيب الشوكولاتة والقهوة عن المشهد.

لكن هذه التفاصيل، التي كانت بديهية، أصبحت اليوم عبئًا ثقيلًا في ظل واقعٍ قاسٍ، مثل ما حدثت ضيفتنا مراسلة "وكالة سند للأنباء".

تقول "أبو هدة": "حتى خلال الهدنة، نحاول التشبث بعاداتنا، لكن الأمر صار بالغ الصعوبة؛ قلة الموارد وارتفاع الأسعار تفرض علينا تقليص كل شيء. نقلّل الكميات، ونبحث عن بدائل"، مستذكرة الحال خلال الحرب والمجاعة عند صنع الفسيخ من سمك السردين المُعلَّب.

وتزيد: "هذا العام، تُطهى السماقية بلحومٍ أقل من المعتاد، بعدما باتت نادرة ومرتفعة الثمن، في انعكاسٍ مباشر لواقعٍ اقتصادي خانق يفرض نفسه حتى على موائد العيد"، مضيفاً:" لكن الحمدلله أفضل من عامي الحرب اللذان حُرمنا فيهما كل شيء".

طقوس مُزجت بالفقد..

ويصل العيد على "هبة سكر" هذا العام مثقلاً بالحزن، إذ يتزامن مع يوم استشهاد والدها، الذي ارتقى في أول أيام عيد الفطر لعام 2024 نتيجة القصف الإسرائيلي، تاركًا خلفه غصة وذكريات لا تُمحى، تجعل فرحة العيد ناقصة ومرهقة على قلبها الصغير.

وبنبرة حزينة تسترجع ماضٍ ولَّى تقول سكَّر: "بعد انشغال رمضان وانتهاء كل التحضيرات، أبدأ أنا وأمي بتحضير أكلة العيد الأساسية: السماقية والفسيخ. لا غنى عن هذه الأطباق في أول يوم من العيد، فهي قلب الطقوس وروح الاحتفال".

وتستدرك ضيفتنا في حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"،"بعد سنتين من الحرب والدمار، ولم يعد هناك بيت تكتمل فيه العائلة، نحاول إعادة الطقوس، لكن الأمر صعب بعد فقدان والدي، أهم ركن فيها غاب".

ورغم ذلك، تحاول "سكر" ووالدتها التعايش مع الواقع، لإعادة أجواء العيد لقلوب الأبناء الصغار؛ معللةً ذلك:" لأننا نعرف أن أبي حتى لو لم يكن معنا، كان سيحب أن يرانا سعداء."

وفي شهادة تختصر حال كثيرين، لا يبدو الحفاظ على الطقوس مجرد حنينٍ للماضي، بل محاولة مستمرة لحماية ما تبقى من هويةٍ مهددة، وذاكرةٍ تقاوم أن تُمحى.