في قلب الخيام المزدحمة، حيث يثقل النزوح الأيام وتضيق الحياة بشحّ الغاز والطعام، تُشعل نساء غزة ناراً صغيرة من الحطب والكرتون تحت أفران الطين، لا ليخبزن الخبز فقط، بل ليحفظن طقساً من طقوس الفرح.
هناك، وسط المخيمات التي أثقلها الفقد والتعب، يتشكّل كعك العيد بأيدٍ مُرهقة لكنها مُصرة على الحياة، فيما تتسلل رائحته الدافئة الممزوجة بـ"السميد واليانسون ودقة الكعك" بين الخيام كرسالة صامتة تقول إن العيد ما زال يجد طريقه إلى القلوب.
ملاذ صغير..
تجلس السيدة أم علي أبو قطة أمام فرن الطينة في أحد مخيمات النزوح في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، تنفخ النار بالحطب والكرتون، وتتابع بحرص صواني الكعك وهي تتحمر على مهل.
وتجلس نساء المخيم حولها بانتظار دورهن، في مشهد يحاول أن يعيد للحياة طقساً عزيزاً ارتبط بقدوم العيد: كعك العيد والمعمول.
وبينما تصنع أم علي الكعك للنساء، تحوّل هذا الفرن البسيط إلى مصدر دخل متواضع لها، وإلى ملاذٍ صغير يعيد شيئاً من روح العيد إلى المخيم، وفق ما حدّثت به مراسلة "وكالة سند للأنباء".
وتقول "أم علي" لمراسلتنا إنها تضطر لاستخدام الحطب والكرتون لإشعال فرن الطينة وخبز الخبز والكعك، في ظل شح الغاز وندرة الإمكانات.
وبينما تأتي بعض النساء لخبز الكعك لأطفالهن وإحياء فرحة العيد رغم قسوة النزوح، تجد أخريات في هذا الطقس وسيلة لكسب رزق بسيط يساعدهن على مواجهة أعباء الحياة في المخيم، وفقاً لضيفتنا.
وتصف قائلةً: "إنني أجلس أمام فرن الطينة منذ ساعات الصباح الباكر وحتى ما بعد العصر"، حيث توقد النار بالحطب والكرتون، وتستقبل النساء اللواتي يقصدنها لخبز الخبز والكعك، أو حتى لطهو الطعام.
وتوضح أنها تقدم هذه الخدمة مقابل سعر رمزي بالكاد يساعدها على إعالة نفسها، وفي الوقت ذاته يوفّر للنساء اللواتي لا يجدن مكاناً للخبز وسيلة بسيطة لقضاء احتياجاتهن اليومية وإحياء بعض من طقوس العيد.
نتقاسم الفرح..
السيدة أم أحمد، إحدى النازحات من شرق مدينة غزة إلى مخيمات النزوح وسط القطاع، ترى في صنع كعك العيد محاولة للحفاظ على الموروث الاجتماعي رغم المعاناة وغياب أي فرحة.
وتتسلل رائحة الكعك من خيمتها المجاورة لـ"أم علي"، فتختلط بملامح المدينة المتعبة، وكأنها تقول إن الحياة ما زالت قادرة على أن تترك أثراً جميلاً وسط كل ما يحيط بها.
تقول "أم أحمد" لـ"وكالة سند للأنباء" إنها وجاراتها يتبادلن ما توفر لديهن من مكونات بسيطة، ويتشاركن العجن والخبز، ويتقاسمن صواني الكعك.
وتوضح أن الطقوس مختلفة، والكمية ليست كما كانت قبل الحرب، مشيرةً إلى أنها فقدت عدداً من أفراد عائلتها في قصف إسرائيلي، لكنها تحاول "صنع الفرحة" للصغار وإحياء شعائر العيد بما يُفرح قلوبهم وسط الدمار.
"ببيع كعكة وباكل التانية"..
وفي أحد مخيمات النزوح في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، التقت مراسلة "وكالة سند للأنباء" بعدد من الأطفال الذين يتجولون في محيط الخيام يبيعون الكعك بسعر رمزي، مقابل الحصول على "مصروف يومي".
يقول أحدهم مبتسماً: "أنا بحب الكعك، كنا نعمله في دارنا بغزة قبل الحرب وريحته تكون في كل مكان"، مضيفاً: "هلقيت باخده من أمي لما تخبزه، ببيع كعكة وباكل التانية".
ويزيد: "أحياناً ببيع الحبة بشيكل واحد، وأحياناً قطعتين بشيكل"، في محاولة بسيطة لمساعدة عائلته وكسب بعض النقود.
ورغم قسوة الحرب وندرة المواد، تتمسك النساء بعادة توارثنها جيلاً بعد جيل؛ يعجنّ القليل المتوفر، ويخبزن على أفران بدائية، لتفوح رائحة الكعك في أرجاء مخيمات النزوح، فتوقظ في الأطفال والنازحين شيئاً من الذكريات والطمأنينة.
في غزة اليوم، لا يُصنع كعك العيد فقط للاحتفال، بل ليكون فعلاً من أفعال الصمود، ومحاولة صغيرة لاستعادة فرحةٍ حاولت الحرب أن تطمسها.
