لم تكن رحلة العودة إلى غزة نهاية لمعاناة عبد الله عثمان، بل بداية لوجعٍ جديد أكثر قسوة، فبعد ثلاث سنوات من الغربة القسرية بحثًا عن العلاج، وبعد أن انتصر على مرض الكلى الذي أنهك جسده، وجد نفسه فجأة يخسر سنده الوحيد، شقيقه محمد الذي اختفى خلف بوابات الاحتلال عند معبر رفح، تاركًا خلفه أسئلة بلا إجابة وقلبًا مثقلًا بالخوف والانتظار.
يروي عبد الله عثمان لـ "وكالة سند للأنباء"، تفاصيل اللحظات التي غيّرت حياته مجددًا، قائلاً إنه غادر قطاع غزة في أغسطس 2023 برفقة شقيقه محمد، بعد حصوله على تحويلة طبية رقم واحد للعلاج في الخارج بسبب معاناته من مشاكل خطيرة في الكلى.
وعلى مدار ثلاث سنوات، خاض رحلة علاج شاقة انتهت بالشفاء، لكن اندلاع الحرب في غزة حال دون عودتهما، ليبقيا عالقين خارج الوطن.
يقول عبد الله إنهما سجلا لاحقًا في السفارة الفلسطينية في مصر، على أمل العودة، حيث أُبلغا بأن قبول أسمائهما يعني موافقة أمنية مسبقة.
وبالفعل، تمت الموافقة على عودتهما، فتوجها إلى معبر رفح، لكنهما أُعيدا وقضيا شهر رمضان كاملًا في مدينة العريش المصرية، بين الانتظار والترقب.
وبعد أيام، تلقيا اتصالًا يطلب منهما الاستعداد للعودة، تجاوزا الإجراءات على الجانب المصري، ثم الأوروبي، حتى وصلا إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية عند الساعة الثانية ظهرًا، هناك، اقترب عنصر من ميليشيا "أبو شباب" المدعومة من الاحتلال، ونادى على محمد عثمان، طالبًا منه النزول من الحافلة.
يصف عبد الله تلك اللحظة قائلاً إن شقيقه وقف أمام كاميرا تابعة للاحتلال، قبل أن تُفتح له البوابة ويتم إدخاله، بينما طُلب من البقية الانتظار، ساعات طويلة مرت، من الثانية ظهرًا حتى العاشرة والنصف مساءً، دون أي خبر عن محمد.
وفي نهاية الانتظار القاتل، أبلغت مترجمة البعثة الأوروبية عبد الله أن شقيقه قد اعتُقل من قبل جيش الاحتلال، رغم طمأنتها له بوجود اتفاق يمنع اعتقال العائدين إلى غزة، لكن تلك التطمينات سرعان ما تلاشت أمام الواقع الصادم: لا معلومات، لا تواصل، ولا تفسير.
يناشد عبد الله اليوم الجهات المعنية، والصليب الأحمر، والأمم المتحدة، التدخل العاجل لكشف مصير شقيقه محمد، ومعرفة أسباب اعتقاله، ولو الحصول على أي معلومة تطمئن قلب عائلة تعيش على وقع القلق.
وقعت الحادثة مساء الأحد، 22 مارس 2026، أثناء عودة محمد عثمان إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، بعد رحلة علاج استمرت ثلاث سنوات، في حادثة تُعد الأولى من نوعها منذ إعادة فتح المعبر جزئيًا.
وقد أثارت الواقعة ردود فعل غاضبة، حيث علّقت بعثة المراقبة الأوروبية عملها في المعبر احتجاجًا على الاعتقال، ما أدى إلى توقف حركة العائدين، وزاد من معاناة مئات الفلسطينيين العالقين.
وكان الاحتلال قد أعاد فتح المعبر جزئيًا في 19 مارس الجاري، بعد إغلاق دام 19 يومًا بذريعة الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وأدت إلى إغلاق شامل للمعابر، بما فيها كرم أبو سالم ورفح.
ورغم إعادة فتح المعبر في إطار المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025، فإن شروط الاحتلال وإجراءاته الأمنية المشددة حوّلت رحلة العائدين إلى تجربة قاسية مليئة بالإذلال والانتهاكات، وفق تقارير حقوقية متعددة.
ويُعد معبر رفح المنفذ البري الوحيد الذي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي دون المرور بـ"إسرائيل"، إلا أنه لا يزال خاضعًا لسيطرة الاحتلال منذ مايو 2024، ويُفتح بشكل محدود وتحت قيود صارمة.
