في مشهد يعكس تحوّلًا خطيرًا في طبيعة السيطرة على قطاع غزة، تتسارع وتيرة ترسيخ واقع عسكري جديد يهدف إلى تحويل مساحات واسعة من القطاع إلى مناطق مغلقة وثكنات دائمة، في إطار ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي لم يعد مجرد إجراء مؤقت بل ملامح خريطة تُفرض بالقوة على الأرض.
كشفت صحيفة "هآرتس" في تحقيق صحفي عن أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أقام 32 موقعًا عسكريًا جديدًا على امتداد هذا الخط، إلى جانب إنشاء حاجز بري بطول نحو 17 كيلومترًا، في خطوة تعكس تحول الخط إلى منطقة فصل ثابتة، بعدما كان يُطرح سابقًا كمرحلة تمهيدية لانسحاب تدريجي من القطاع.
ووفق التحقيق، يشهد "الخط الأصفر" انتشارًا عسكريًا واسعًا ومتزايدًا خلال الأشهر الأخيرة، حيث أصبح محورًا رئيسيًا لتمركز القوات الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في محيطه، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 200 فلسطيني قرب هذا الخط خلال الفترة الماضية.
ويمثل هذا الخط منطقة فصل داخل قطاع غزة، انسحب إليها الجيش الإسرائيلي مؤقتًا بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار، على أن تُستكمل لاحقًا مراحل الانسحاب، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك، مع ترسيخ وجود دائم يمنع عودة عشرات آلاف السكان إلى مناطقهم، خاصة في رفح وشرق خان يونس جنوبًا، وأجزاء من غزة المدينة وبيت لاهيا وبيت حانون شمالًا.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن "إسرائيل" لن تنسحب من هذا الخط "بمليمتر واحد" قبل نزع سلاح حركة حماس، في تأكيد رسمي على نية الإبقاء على هذا الواقع العسكري.
وتكشف شهادات السكان أن المناطق الواقعة ضمن الخط الأصفر تحولت إلى مناطق مكشوفة بالكامل بعد تدمير وتجريف المباني، حيث تنتشر الثكنات العسكرية دون عوائق.
وعزز الاحتلال المناطق الواقعة ضمن الخط الأصفر بإضاءة مستمرة وتحركات عسكرية كثيفة، فيما يشتكي الأهالي من إطلاق نار عشوائي واستهداف متكرر بالقذائف، ما يجعل حياتهم في خطر دائم.
ويمتد هذا الخط عميقًا داخل القطاع، مخترقًا وسط مخيم جباليا، ليُبقي نحو 60% من مساحة غزة تحت سيطرة الاحتلال، في واحدة من أوسع عمليات إعادة رسم الجغرافيا الميدانية منذ بدء الحرب.
ويعمل جيش الاحتلال داخل هذا الخط عبر عدة مسارات، أبرزها إقامة نقاط عسكرية ثابتة ومؤقتة فوق أراضي المواطنين، وتحويلها إلى ثكنات تمنع أصحابها من الوصول إليها، في تكريس واضح لواقع السيطرة بالقوة.
ويواصل تنفيذ عمليات نسف وتدمير وتجريف واسعة للمنازل والمنشآت والبنية التحتية، بما يشمل الطرق وشبكات المياه والكهرباء، في سياسة تهدف إلى إبقاء المناطق غير صالحة للحياة أو إعادة الإعمار.
وفي موازاة ذلك، يجري تهيئة بيئة أمنية تخدم هذا الوجود العسكري، من خلال استغلال حالة الفوضى عبر مجموعات مليشيات مسلحة تضرر بالممتلكات وسرقة المساعدات الإنسانية واستهداف المدنيين، خاصة في المناطق المحاذية للخط.
وتترافق هذه الإجراءات مع تحركات مكثفة للآليات والجرافات العسكرية وعمليات تمشيط وإطلاق نار متكرر، ما يحوّل المناطق المحيطة بالخط الأصفر إلى نطاقات عسكرية مغلقة بالكامل.
ويأتي هذا التصعيد بالتوازي مع إعلان البيت الأبيض هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، والتي تشمل "مجلس السلام" و"مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية"، ضمن خطة أوسع طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن "الخط الأصفر" لم يعد مجرد خط فصل مؤقت، بل أداة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في قطاع غزة، وفرض معادلة جديدة عنوانها: سيطرة عسكرية طويلة الأمد على أنقاض مدينة محاصرة.
