لم يكن استشهاد الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يومًا خبرًا عابرًا، بل هو خلاصة مسار طويل من التعذيب والإهمال والتجويع، ينتهي غالبًا ببيان مقتضب يعلن الرحيل، فيما تبقى التفاصيل الحقيقية حبيسة الزنازين.
غير أن شهادات الأسرى المحررين، التي خرجت مؤخرًا إلى العلن، تكشف صورة أكثر قسوة، حيث يتحول السجن إلى مساحة مفتوحة للموت البطيء، في وقتٍ يُشريع الاحتلال قانون لإعدام الأسرى، بما يضفي طابعًا رسميًا على ما يجري فعليًا خلف القضبان.
ووفق معطيات هيئة شؤون الأسرى والمحررين، فقد ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 324 شهيدًا، بينهم أكثر من 100 أسيرًا استشهدوا بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، نتيجة التعذيب، والإهمال الطبي، والتجويع.

وفي أحدث هذه الجرائم، أعلنت الهيئة ونادي الأسير، في 28 مارس الجاري، استشهاد الأسير الجريح مروان فتحي حسين حرز الله من مدينة نابلس، داخل سجن "مجدو".
لكن شهادات الأسرى المحررين تملأ هذا الفراغ، وتكشف ما هو أبعد من الروايات الرسمية، فقد روى الأسير المحرر عمر العطشان، تفاصيل صادمة عن استشهاد الأسير ثائر سميح أبو عصب (38 عامًا) من قلقيلية، الذي ارتقى في سجن النقب في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني.
يقول العطشان إن أبو عصب تعرض لضرب متواصل حتى استشهاده، موضحًا أن الأسرى استنجدوا بالسجانين وطلبوا إحضار طبيب بشكل عاجل، لكنه لم يأتِ إلا بعد ساعة ونصف.
وأضاف أن الأسير لفظ أنفاسه الأخيرة وهو ملقى على الأرض، فيما تعامل السجانون مع الحدث ببرودة أعصاب.
ويكشف العطشان أن السبب كان صادمًا في بساطته، إذ يقول: "قتلوه مشان سأل سؤال.. سأل هل يوجد هدنة، فأجابه السجان: لا، وفي نفس الليلة دخلوا عليه وضربوه حتى قتلوه".
تعذيب حتى كسر الروح
وفي شهادة أكثر قسوة، يروي الأسير المحرر الصحفي أحمد شقورة من قطاع غزة تفاصيل ما وصفه بـ"مصنع كسر الإنسان" داخل مراكز التحقيق، حيث لا يقتصر التعذيب على الجسد، بل يمتد إلى تحطيم النفس والهوية.
يقول شقورة إنه شاهد شابًا تعرض لأسابيع من الضرب والإهانات والحرمان من النوم والتجويع، قبل أن يُطلب منه العمل لصالح الاحتلال.
وعندما رفض، بدأ الجحيم الحقيقي، حيث دُفن حيًا ليومين في قبر ضيق، لا يملك سوى أنبوب أكسجين يتنفس منه الخوف قبل الهواء.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى تقييده وتركه أمام الجنود وهم يأكلون، بينما يُحرم هو من الطعام، قبل أن يُعاد عرض التعاون عليه.
وعندما رفض مجددًا، هدده المحقق بقصف زوجته وأطفاله، وعرض أمامه صورًا لهم، ثم قال له: معك خمس دقائق لتقرر.
رفض الشاب مرة أخرى، ليُبلّغ بأن الدور الآن على زوجتك، قبل أن ينهار تحت وطأة الخوف، خاصة بعد أن أوهمه المحققون أنهم قتلوا عائلته، ليُلقى بعدها في زنزانة انفرادية، وحيدًا مع صوره وأوهامه.
وبعد أيام، أُعيد التحقيق معه بالطريقة ذاتها، حتى دخل في نوبة هستيرية وصرخ أوافق، ليس اقتناعًا، بل بعد أن أثبتوا له أنهم لا يمزحون، كما يصف شقورة.
شهادات على الموت أمام العيون
ولم تكن هذه التجربة الوحيدة، إذ يوثق شقورة أيضًا لحظة استشهاد الطبيب عدنان البرش، الذي لفظ أنفاسه أمام أعين الأسرى في 20 أبريل/ نيسان 2024، بعد رحلة تعذيب قاسية.
يصف شقورة ما يسمى بـ"ـالتشريفة"، وهي ممر طويل يقف على جانبيه سجانون، يُجبر الأسير على المرور بينهم وسط الضرب والإذلال، حيث أُجبر الطبيب على المشي بوضعية مهينة، يداه مقيدتان للخلف، ورأسه بين قدميه.
وخلال ذلك، تعرض للضرب المبرح، وأُدخلت الكلاب إلى الغرفة، قبل أن يسقط أرضًا عند مدخل القسم، حيث اصطدم رأسه بالحديد ثم بالأرض.
يقول شقورة إنهم حاولوا إجراء تنفس اصطناعي له، قبل أن يُستدعى الطاقم الطبي، لكن صفارة توقف القلب كانت قد سُمعت، ليُعلن لاحقًا عن وفاته.
وفي الجلمة أيضًا، استشهد الشاب محمد سامي الحلو تحت التعذيب مطلع عام 2024، بعد تعرضه لضرب شديد أفقده القدرة حتى على شرب الماء.
وكان جسد الشاب الحلو أزرقا بالكامل من شدة التعذيب، فيما سُمعت أصوات توقف قلبه من الغرف المجاورة، وفق شهادة شقورة.
القانون غطاء لواقع قائم
في موازاة هذه الشهادات، يحذر مختصون من خطورة توجه الاحتلال نحو إقرار قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين، معتبرين أنه لا يمثل تحولًا بقدر ما هو تكريس لواقع قائم.
ويقول الأسير المحرر والمختص بالشأن الإسرائيلي عمار الزبن إن القانون تمييزي وعنصري، إذ يبرئ المستوطن الذي يقتل الفلسطيني، بينما يجرّم الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، رغم أن القوانين الدولية تتيح له مقاومة الاحتلال.
ويضيف أن هذا التوجه يأتي في سياق الحرب المستمرة، ويستهدف بالدرجة الأولى أسرى "النخبة" من قطاع غزة.
وأشار الزبن إلى أن القانون له أبعادًا سياسية داخلية، خاصة مع سعي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى كسب أصوات انتخابية.
ويرى الزبن أن الهدف أيضًا هو ردم فجوة الردع التي تعمقت بعد السابع من أكتوبر، رغم أن الشعب الفلسطيني، لا يقيم وزنًا للمشانق.
واستشهد باستمرار حضور أسماء شهداء أعدمهم الاحتلال البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي، وهم محمود جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي، في الوعي الجمعي الفلسطيني.
في ضوء هذه الشهادات، يبدو أن الحديث عن قانون لإعدام الأسرى لا ينفصل عن واقع يومي يُمارس بالفعل داخل السجون، حيث يتحول التعذيب والإهمال إلى أدوات قتل غير معلنة.
