دخلت فلسطين عامها الـ11 من انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية مع بداية أبريل/نيسان الجاري، في ظل غموض يكتنف مصير التحقيقات المرتبطة بالملفات الفلسطينية، خاصة ملفات جرائم الحرب والإبادة ضد الفلسطينيين.
ومرّ الانضمام للمحكمة الجنائية بمراحل متعددة؛ انطلقت بعد حصولها عام 2012 على صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة بموجب قرار 67/19، ما أتاح لها الانضمام إلى المعاهدات الدولية، بما فيها نظام روما الأساسي.
وفي عام 2024، وقّعت فلسطين على نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، في خطوة قانونية أساسية نحو العضوية الكاملة، لتودع وثيقة انضمامها رسميًا لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وتصبح دولة طرفًا في المحكمة اعتبارًا من 1 نيسان/أبريل 2015.
بعد ذلك، قدّمت فلسطين إعلانًا بقبول اختصاص المحكمة بأثر رجعي منذ 13 حزيران/يونيو 2014، ما أتاح التحقيق في الجرائم المرتكبة منذ ذلك التاريخ. وباشرت المدعية العامة السابقة "فاتو بنسودا" فحصًا أوليًا لتقييم وجود أساس قانوني لفتح تحقيق رسمي في الجرائم المحتملة.
وطلبت "بنسودا" من الدائرة التمهيدية في المحكمة تحديد النطاق الجغرافي لاختصاصها، في ظل الجدل حول الأراضي الفلسطينية. ثم، في عام 2021، أقرت الدائرة التمهيدية أن اختصاص المحكمة يشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة.
وأعلنت المحكمة في عام 2021 فتح تحقيق رسمي في الحالة الفلسطينية، يشمل جرائم حرب محتملة وجرائم ضد الإنسانية، إذ باشر مكتب الادعاء بجمع الأدلة، بما في ذلك إفادات الضحايا والمنظمات الحقوقية، وتوثيق الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
وواجهت الإجراءات ضغوطًا سياسية واعتراضات، خاصة من "إسرائيل" التي لا تعترف باختصاص المحكمة، إلى جانب تحديات تتعلق بإمكانية الوصول إلى الأدلة.
تطورات القضية..
وفي هذا الإطار، قال مدير عام مؤسسة الحق وعضو اللجنة الاستشارية للفريق القانوني لجنوب أفريقيا، شعوان جبارين، إن مسار التحقيق في الحالة الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية دخل مرحلة متقدمة، بعد استكمال مراحل قانونية معقدة حسمت اختصاص المحكمة وأتاحت فتح تحقيق رسمي.
وأوضح جبارين في حوار خاص لـ"وكالة سند للأنباء"، أن التحقيق الرسمي فُتح عام 2021، بعد أن مرّ بمرحلة الفحص الأولي التي تناولت عدة معايير، أبرزها مبدأ التكاملية، أي ما إذا كانت "إسرائيل" تجري تحقيقات جدية في الجرائم المرتكبة أم لا.
وخلصت المحكمة بعد مراجعات قانونية معمّقة، إلى أن "إسرائيل" تملك القدرة على التحقيق والملاحقة، لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية للقيام بذلك، وهو ما منح المحكمة اختصاصًا مباشرًا للتدخل، وفق جبارين، مشيرًا إلى أن الجدل الذي دار حول الصفة القانونية لفلسطين تم حسمه داخل المحكمة، بعد طلب آراء من الدول وخبراء القانون الدولي ومنظمات المجتمع المدني، ما رسّخ الولاية القضائية على الأراضي الفلسطينية.
وأضاف جبارين، أن مكتب الادعاء استكمل دراسة مسألتي الاختصاص والتكاملية، قبل الانتقال إلى مرحلة التحقيق في الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة، مؤكدًا أن المحكمة تلقت ملفات قانونية وأدلة تتعلق بجرائم متعددة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في الأراضي الفلسطينية.
محطة مفصلية..
وفيما يتعلق بقطاع غزة، أشار إلى أن التطورات الأخيرة شكّلت نقطة مفصلية في مسار القضية، خاصة مع إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين.
ومن أبرز هذه المذكرات، تلك التي طالت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق بيني غانتس، معتبرًا ذلك خطوة نوعية في مسار المساءلة الدولية، وفق شعوان، مضيفًا أن أهمية هذه المذكرات تكمن في أنها تفرض التزامات قانونية على الدول الأعضاء في المحكمة بتنفيذ أوامر التوقيف عند دخول المطلوبين إلى أراضيها.
وأشار إلى أن بعض الدول الأعضاء، مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، لم تنفذ هذه الالتزامات، مرجعًا ذلك إلى اعتبارات سياسية وليس قانونية، موضحًا أن الامتناع عن تنفيذ مذكرات التوقيف يعكس تأثير الضغوط الدولية، لا سيما من الولايات المتحدة، على قرارات بعض الدول.
وتعتمد المحكمة في هذه المرحلة سياسة عدم الإعلان عن جميع مذكرات التوقيف، وإبقائها سرية لضمان تنفيذها بشكل مفاجئ عند توفر الفرصة، تبعًا لضيفنا، لافتًا أن هناك تقديرات بوجود مذكرات توقيف أخرى قيد الإعداد، قد تشمل قضايا الاستيطان والتعذيب والقتل والانتهاكات الجسيمة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأوضح جبارين، أن المحكمة لا تتعامل مع كل حالة بشكل منفصل، بل تعتمد على نماذج من الجرائم لإثبات نمط الانتهاكات ضمن سياسة عامة.
وفيما يتعلق بالاتهامات الموجهة لنتنياهو، قال شعوان، إنها تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية، باعتبارها تعكس سياسات ممنهجة تتجاوز الأفعال الفردية، وأضاف: "هناك توجه قانوني للدفع نحو إدراج جرائم الإبادة الجماعية ضمن اختصاص المحكمة في الحالة الفلسطينية، إلى جانب جرائم الحرب".
تحقيقات دون سقف زمني..
وفي السياق القضائي، أوضح جبارين أن ثمانية قضاة تعاملوا مع ملف فلسطين في مرحلتي الدائرة التمهيدية والاستئناف، ورفضوا الطعون الإسرائيلية الرامية إلى إلغاء أو شطب مذكرات التوقيف، مشيرًا إلى أن قرارات المحكمة أكدت اختصاصها، رغم الضغوط السياسية والقانونية التي مورست عليها.
وبحسب "ضيف سند" فإن التحقيقات لا تخضع لسقف زمني محدد، وأن بعض الملفات قد تكون اكتملت وأُحيلت إلى القضاة للمصادقة على مذكرات توقيف جديدة، لافتًا إلى أن الإجراءات داخل المحكمة تتم بسرية عالية، وأن الإعلان عن أي مذكرات يتم فقط عند الشروع في تنفيذها.
وحول تصريحات نتنياهو الرافضة لإجراءات المحكمة، فأشار جبارين، إلى أنها تمثل محاولة للضغط على مكتب الادعاء، لكنها لا تؤثر على المسار القضائي، مؤكدًا أن عمل المحكمة في الملف الفلسطيني مستمر بوتيرة نشطة، وأن التحقيقات لم تُجمّد كما يُشاع.
وتواصل دولة جنوب أفريقيا تحركها القانوني بالتوازي أمام محكمة العدل الدولية، حيث انضمت دول أخرى، بينها هولندا، وقدمت مذكرات قانونية داعمة. ويعقّب جبارين: "هذا الانضمام يعزز من ثقل القضية على المستوى الدولي، خاصة في ظل مشاركة دول أوروبية فاعلة".
وختم جبارين بالتأكيد على أن الجهود القانونية مستمرة على أكثر من مسار، بدعم من منظمات المجتمع المدني وخبراء القانون، مشددًا على أن فلسطين قدّمت ما يلزم قانونيًا وفق نظام روما الأساسي، وفتحت الباب أمام المساءلة الدولية، بانتظار نتائج الإجراءات الجارية.
