الساعة 00:00 م
الجمعة 05 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.88 جنيه إسترليني
4.08 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.36 يورو
2.89 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غـزّة مُبـاشـر".. شـهيدة و16 جريـحا في 6 انتهـاكات إسرائيـليـة جديـدة للهُـدنـة

نعيم قاسم: لم نعط التزاما لأحد بوقف المقاومة

كارثة صحية وشيكة تُهدد 200 ألف نازح من رفح

12 شهيدا وإصابات في 17 خرقا إسرائيليا جديدا لـ "هُدنة غزة"

من دويّ الترتيل إلى وجع الفقد

بالفيديو أم عبد الله تحتضن القرآن بعد رحيل أبنائها الأربعة

حجم الخط
حكياتنا.jpg
غزة-وكالة سند للأنباء

في خيمةٍ أنهكها النزوح، تجلس أم عبد الله شعبان وحيدةً إلا من أصواتٍ لا يسمعها سواها؛ أصوات أبنائها الأربعة وهم يرددون القرآن كما كانوا يفعلون كل يوم.

هنا، حيث تركت الحرب فراغاً أكبر من أن يُوصف، لم يبقَ لهذه الأم سوى المصحف، تستند إليه كلما داهمها الحنين، وتستعيد عبر آياته وجوه أبنائها الذين سبقوها إلى السماء، كانت تظن أن اليُتم هو فقد الوالدين، حتى اكتشفت أن للأم يتيماً آخر حين تُدفن قلوبها الصغيرة تحت الركام.

تروي أم عبد الله شعبان لـ"وكالة سند للأنباء"، حكاية بيتٍ لم يكن كسائر البيوت، بل كان بيتاً يضجّ بالذكر كخلية نحل لا تهدأ، يتناوب فيه الأبناء على الحفظ والتثبيت والسرد، وتملؤه السكينة كلما ارتفعت أصواتهم بكتاب الله.

لم تكن أمّاً فقط، بل كانت معلمةً ومربيةً ومنارةً تقود أبناءها في رحلة الإتقان، حتى صار القرآن نبض البيت اليومي، وصار الحفظ جزءاً من تفاصيل الحياة.

تقول بصوتٍ يختلط فيه الثبات بالانكسار: "قالولي أولادك الأربعة استشهدوا... صعب جداً إني أعبر، يكفيني أن الله يعلم ما في قلبي ومطلع".

ثم تتابع بكلمات تقطر وجعاً: "كنت أعتقد أن اليتم أن تفقد أمك وأبوك، لكن اكتشفت أنه عندما تفقد أبناءك تتيتم أيضاً، علاقتي بأبنائي اليوم علاقة اليتيم الذي فقد أهله".

تستعيد فجر الفقد، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، تقول إنها كانت في صلاة الفجر تقرأ سورة الأعلى، وحين بلغت قوله تعالى: "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى" شعرت أن الآية ثقيلة على قلبها، فبكت لأنها لم تستطع تقبّل معناها آنذاك، قبل أن تكتشف لاحقاً أنها كانت مفتاح الصبر الذي أرسله الله إليها قبل استشهاد أبنائها بساعات.

وتضيف بكلمات تختصر إيمان أمٍّ أنهكها الفقد، لكنها ما زالت تتشبث بالرضا رغم قسوة المصاب: "الحياة لا تسوى شيئاً، فأي آية يُفاضل فيها بين الدنيا والآخرة هي من آيات الصبر... أبنائي سبقوني إلى الآخرة، وأنا عاجلاً أم آجلاً بهم لاحقة".

رحلة حفظٍ بدأت من البيت

لم يكن أبناؤها يرون القرآن عبئاً ولا واجباً ثقيلاً، بل كان رفيقهم الأقرب، تؤكد أم عبد الله أن التزامهم بالمسجد وحلقات التحفيظ لم يتعارض يوماً مع الدراسة والامتحانات، بل كان يزيدهم انضباطاً ونوراً.

وحين كانت حلقات التحفيظ تتوقف، كانت الأم تكمل معهم المسيرة في البيت، آيةً آية، وصفحةً صفحة.

تقول: "كان بيتنا مثل خلية النحل، لم يكن الحفظ يتوقف"، وبعد أن أتم أبناؤها حفظ القرآن، انتقلوا إلى مرحلة "منتدى الحفاظ"، حيث خاضوا رحلة تثبيت الكتاب الكريم على ست مراحل، وصولاً إلى مرحلة "السرد"، أي تسميع القرآن كاملاً غيباً في جلسة واحدة، وهي من أعلى مراتب الإتقان التي يفخر بها أهل غزة وحفاظها.

حتى خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لم ينقطع الأبناء عن مراجعة القرآن وتثبيته رغم أصوات الطائرات والخوف والنزوح.

وتروي الأم أن آخر لحظات اجتماع العائلة كانت أثناء نزوحهم من شمال القطاع إلى جنوبه داخل سيارة واحدة، قبل أن يتفرقوا في البيت الذي لجؤوا إليه؛ النساء والبنات في مكان، والرجال والأطفال في مكان آخر.

لحظة القصف.. وانتظار المستحيل

ثم جاء يوم الاستهداف. تقول الأم: "رأيت الحجارة تتساقط من حولي، لم أسمع صوت القصف، رأيت سلم البيت وقع وحفرة كبيرة".

ووسط الدمار، كانت تردد: "الله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين"، وكل ما يشغلها حينها كيف سيتمكن أبناؤها من عبور الحفرة والخروج سالمين.

وتتابع بصوتٍ يذوب حزناً: "جاءني زوجي وقال لي ابنك عبد الله استشهد"، حمدت الله، ثم ظلت تنتظر خروج بقية أطفالها أحياء.

كان عبد الله في سيارة الإسعاف بجوارها، لكنها ترددت في رؤيته شهيداً، ورفضت أن ترى ملامحه الأخيرة، مفضلة أن تحتفظ في قلبها بصورته الجميلة التي تعرفها.

وبعد قليل، أُبلغت باستشهاد أبنائها الأربعة جميعاً، فلم تجد سوى أن تقول: "لله ما أعطى ولله ما أخذ وإنا لله وإنا إليه راجعون".

اليوم، تقف أم عبد الله تحت سقف خيمتها، وقد غاب الأبناء وبقي الأثر، تسترجع أصواتهم في كل سورة، وتجدهم في كل آية، وتقول إن القرآن هو ما يثبتها ويمنحها القدرة على مواصلة الحياة، فكل كلمة تحفظها ترد إليها شيئاً من وجوههم، وكل صفحة تفتحها كأنها تفتح باباً نحو ذكراهم.

وفي رسالتها إلى الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، تقول أم عبد الله: "الفقد صعب جداً، ولكن يكفيك أن أبناءك مع رب رحمن رحيم".