الساعة 00:00 م
الأحد 19 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.08 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

هكذا أدار الطبيب "أبو صفية" معركة البقاء في فوهة الموت!

البرش: نقص المستلزمات الطبية يتسبب بحالات وفاة بين المدنيين

"غزة مُبـاشـر".. "إسـرائيـل" تُواصل خرق تفاهمات وقف الحرب العدوانيـة

بالصور بين الظلام والحرب.. شيرين الكردي تصنع الفرح بخيوط الصوف

حجم الخط
WhatsApp Image 2026-03-28 at 12.09.21 PM.jpeg
غزة – فاتن عياد الحميدي – وكالة سند للأنباء

في خيمة صغيرة بمنطقة نائية وسط قطاع غزة، ووسط جُنح الليل الحالك وأصوات طائرات الاستطلاع الإسرائيلية المُزعجة، ونقص لإمكانات، تجلس السيدة شيرين الكردي (36 عاماً) تحيك الدمى بيديها، تنسج خيوط الكروشيه صبرًا وإبداعًا.

ومنذ أكثر من 20 عامًا، وجدت السيدة "الكردي" في الكروشيه مساحة للإبداع والصمود، وعلى مدار أكثر من عقد، تخصصت في صناعة الدمى، لكنها في سنوات الحرب على قطاع غزة لم تعد مجرد حِرفة، بل أصبحت ضرورة مُلِحة.

ومع غياب الألعاب عن الأسواق، بدأت "الكردي" تصنع بيديها ما يُدخل الفرح إلى قلوب الأطفال، وفي مقدمتهم أبناؤها. ومع اشتداد الظروف، وسّعت عملها لتشمل ملابس الكروشيه، من فساتين الأطفال إلى الأزياء النسائية، محاولةً سدّ النقص في الأسواق المحلية.

شيرين الكردي (4).jpeg
 

وما بدأ كمحاولة بسيطة لتأمين احتياجات أسرتها، تحوّل تدريجيًا إلى مشروع يعتمد عليه الآخرون، بعد أن لقيت أعمالها إعجاب الأهل والأصدقاء، لتصبح اليوم نموذجًا حيًا للإرادة التي تحوّل الحِرفة إلى وسيلة للصمود، وتنسج من خيطان الصوف حياةً رغم كل التحديات.

عمل شاق ونتيجة مُثمرة..

تقول "الكردي" لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إنَّ أعمالها في الفترة الحالية تشهد إقبالًا متزايدًا، مع تزايد الطلبات التي بدأت تتكثف تزامنًا مع موسم عيد الفطر، وتمتد حتى عيد الأضحى، حيث امتلأت قائمة حجوزاتها مسبقًا بطلبيات لملابس الكروشيه والدمى اليدوية.

وتوضح أن إنجاز دمية واحدة يتطلب ما لا يقل عن 14 ساعة من العمل غير المتواصل، في ظروف تفتقر لأبسط مقومات الإنتاج؛ فداخل الخيمة لا يتوفر ضوء كافٍ، ما يضطرها أحيانًا للعمل على ضوء الهاتف المحمول، وسط تحديات تجعل من كل تفصيلة مهمة شاقة.

رغم ذلك، وعندما تضطرها الحاجة، تبذل "شيرين" جهدًا مضاعفًا لتنجز دميتين في اليوم الواحد، حتى لو كان الثمن سهرًا طويلًا وإرهاقًا كبيرًا.

شيرين الكردي (5).jpeg
 

وتؤكد أن ما تقوم به ليس مجرد عمل يدوي، بل موهبة صقلتها وطورتها حتى وصلت إلى تصميم دُماها الخاصة، لتتحول هذه الحرفة إلى مصدر دخل أساسي، بعد عامين من الحرب والانقطاع عن العمل، في محاولة لمواجهة واقع اقتصادي قاسٍ وظروف معيشية بالغة الصعوبة.

ربحٌ قليل.. بيع كثير

ولا تتوقف التحديات عند ظروف العمل فقط، بل تمتد إلى توفير المواد الخام، حيث أن المتاح في قطاع غزة غالبًا ما يكون قديمًا أو يصل بطرق محدودة، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير، إذ تضاعف سعر لفة الصوف إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالسابق.

وتوضح أن التحولات التي شهدها عملها ارتبطت بشكل مباشر بظروف النزوح وتغيرات السوق، خاصة مع الارتفاع الحاد في أسعار المواد الخام؛ فلفة الصوف التي كانت تُباع سابقًا بثلاث لفات مقابل 10 شواكل، أصبحت خلال الحرب تُباع اللفة الواحدة منها بنحو 30 شيكل، ما ضاعف الأعباء عليها بشكل كبير.

شيرين الكردي (6).jpeg
 

وتلفت "الكردي" النظر إلى أنَّ هذه الزيادة تفرض نفسها على تكلفة الإنتاج، وتحرص على أخذها بعين الاعتبار عند التسعير.

لكنَّ "ضيفة سند" تسعى جاهدةً في الوقت ذاته للحفاظ على أسعار في متناول الناس، رغم أن تراجع القدرة الشرائية في قطاع غزة فرض معادلة صعبة على عملها.

وبالرغم من الإقبال الكبير على الدمى التي تصنعها وسعرها المناسب، فإن هامش ربحها يبقى محدودًا. " على حد تعبيرها".

شيرين الكردي (1).jpeg
 

وتقول إنها تتعمد الاعتماد على مبدأ "الربح القليل مقابل البيع الكثير"، حتى تتيح لأكبر عدد ممكن من العائلات شراء هذه الألعاب لأطفالهم.

وترى "شيرين" أنَّها إذا التزمت بالتسعير الحقيقي الذي يعكس حجم الجهد والتكلفة، لاضطرت لإنتاج عدد قليل من الدمى لا يقدر على شرائها إلا القليل.

وتوضح أن حجم الدمى يختلف حسب طلب الزبائن، حيث تقوم بتفصيلها بما يتناسب مع رغباتهم واحتياجاتهم. مشيرةً إلى أن المقاس الأكثر طلبًا حاليًا هو دمية بطول 30 سنتيمترًا، تُباع بسعر 30 شيكل.

شيرين الكردي (7).jpeg
 

طريق وعرة..

تعيش "الكردي" في خيمة بمنطقة نائية في البريج وسط قطاع غزة، حيث تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى تحديات يومية تستنزف وقتها وجهدها.

وتصف لـ "وكالة سند للأنباء" أنَّ "كل مشوار لتأمين الاحتياجات اللازمة للعمل يتطلب مسافات طويلة، خاصة في ظل صعوبة الحصول على المواد الخام وارتفاع أسعارها، وصعوبة المواصلات". وتزيد:" هذا يستهلك جزءًا كبيرًا من طاقتي التي أحتاجها للعمل".

ولا يخلو الطريق من صعوبات وتحديات جَمة فكما وصفت "الكردي" فإنها تضطر للاعتماد على كشاف الهاتف لإنجاز أعمالها، لغياب الإضاءة داخل الخيمة".

وتتابع:" أتشارك مساحة الضيقة مع سبعة أفراد، وأطفالي حولي في كل وقت. ورغم هذه الظروف القاسية، تمكنت من إنشاء ورشة صغيرة داخل الخيمة، أواصل فيها العمل بإصرار".

شيرين الكردي (9).jpeg
 

بداية الطريق..

ورغم تخرجها عام 2015 من تخصص اللغة العربية، لم تحظَ "شيرين" بفرصة عمل في مجال دراستها، لتعود إلى هواية قديمة رافقتها منذ الطفولة، حين تعلمت الكروشيه في سن مبكرة.

ومع الوقت، بدأت تتلقى طلبات بسيطة من محيطها بعد أن لاقت أعمالها إعجاب من حولها، قبل أن تخوض تجربة جديدة بدخولها عالم صناعة الدمى، معتمدة على التدريب الذاتي وتطوير مهاراتها خطوةً بخطوة.

وبصولها إلى مستوى متقدم من الإتقان، لم يعد الكروشيه مجرد هواية، بل تحوّل إلى عمل تمارسه في أوقات فراغها، ثم إلى مصدر دخل أساسي تعتمد عليه في ظل غياب فرص العمل.

شيرين الكردي (8).jpeg
 

مشقة النزوح..

ومنذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عاشت "الكردي" تجربة نزوح قاسية تكررت أكثر من 11 مرة، لكنها في كل مرة كانت تحمل معها ما تبقى من مهنتها، لتعيد افتتاح ورشتها الصغيرة داخل كل خيمة تصل إليها.

وتروي أنها منذ الليلة الأولى للنزوح اضطرت لمغادرة منزلها دون أن تتمكن من أخذ أي من أغراضها، قبل أن تنجح بعد سبعة أشهر من المحاولات في تأمين بعض الأدوات من جديد.

وبين التنقل المستمر وفقدان الاستقرار، بقيت مهنتها الثابت الوحيد، تعيد بناءها في كل مرة، وكأنها تصر على ألَّا تنقطع خيوط العمل مهما تبدلت الأمكنة.

وخلال فترة نزوحها إلى جنوب القطاع، ركزت عملها على صناعة الملابس بالكروشيه، لتلبية النقص الحاد في الأسواق آنذاك، قبل أن تعود مؤخرًا إلى صناعة الدمى مع غياب الألعاب بشكل شبه كامل.

وتؤكد أن الصوف يمثل رأس مالها الأساسي، لذلك حرصت خلال نزوحها الأخير في شهر سبتمبر الماضي على أن يكون من أول الأشياء التي تحملها معها، إدراكًا منها أن استمرار عملها يعتمد عليه بشكل مباشر، حتى في أشد لحظات عدم الاستقرار.