تكشف التطورات داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي عن انقسام متصاعد بشأن مستقبل المساعدات العسكرية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية لوقف تدفق الأسلحة، مقابل محاولات أخرى لإعادة ضبط هذا الدعم دون قطعه بالكامل.
وقد أصبح إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل موقفًا متزايد الحضور بين قادة الحزب الديمقراطي، حيث شهد مجلس الشيوخ تصويتًا لافتًا صوّت فيه معظم أعضاء الكتلة الديمقراطية لصالح قرارات تهدف إلى منع بيع القنابل والجرافات للجيش الإسرائيلي، مع تسجيل معارضة محدودة من عدد قليل من الأعضاء.
في السياق ذاته، عبّر عدد من الشخصيات الديمقراطية البارزة، ومن بينهم مرشحون محتملون للانتخابات الرئاسية المقبلة، عن ضرورة وقف جميع أشكال الدعم العسكري المرتبط بالأسلحة الهجومية والدفاعية على حد سواء، في تحول يعكس تغيرًا واضحًا في الخطاب السياسي داخل الحزب.
غضب شعبي من "إسرائيل"
يأتي هذا التحول بالتوازي مع تراجع ملحوظ في تأييد الرأي العام الأمريكي لتقديم الدعم العسكري لإسرائيل، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين باتوا يعارضون إرسال الأسلحة، خاصة في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع تكاليف المعيشة.
كما ساهمت الحرب في الشرق الأوسط في تعميق هذا التوجه، مع تنامي الانتقادات لاستخدام الأسلحة الأمريكية في العمليات العسكرية.
ورغم هذا التحول، يدور داخل التيار التقدمي في الحزب نقاش حاد حول حدود هذه المواقف، إذ يطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بفرض حظر شامل على توريد الأسلحة لإسرائيل، يشمل وقف التمويل الحكومي وكذلك مبيعات الأسلحة التجارية من الشركات الأمريكية.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن الحظر الكامل يمثل الوسيلة الأكثر فعالية لوقف الانتهاكات المرتبطة بالحروب في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران، ويضمن التزام الولايات المتحدة بقوانينها المتعلقة بحقوق الإنسان.
في المقابل، يتبنى جناح آخر داخل الحزب، إلى جانب جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، مقاربة أكثر حذرًا تقوم على فرض قيود محددة على بعض أنواع الأسلحة، مع الإبقاء على قنوات التعاون العسكري والتجاري.
ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق توازن بين محاسبة دولة الاحتلال على الانتهاكات والحفاظ على العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.
في هذا الإطار، طرحت منظمة “جيه ستريت”، وهي جماعة ضغط ليبرالية مؤثرة، رؤية جديدة تدعو إلى إنهاء التمويل الحكومي الأمريكي لشراء الأسلحة، مع السماح لإسرائيل بتمويل مشترياتها العسكرية من مواردها الخاصة. ويُعد هذا الطرح تحولًا مهمًا في موقف المنظمة، التي كانت في السابق تدعم استمرار الدعم العسكري التقليدي.
منع حد الحظر الكامل
تشمل هذه المقترحات وقف التمويل السنوي الذي تقدمه وزارة الخارجية الأمريكية لإسرائيل، والذي يبلغ نحو 3.3 مليار دولار، بالإضافة إلى مئات الملايين المخصصة لأنظمة الدفاع الصاروخي.
ومع ذلك، لا تصل هذه المقاربة إلى حد الحظر الكامل، إذ تسمح باستمرار شراء بعض الأنظمة الدفاعية، مثل أنظمة اعتراض الصواريخ.
ويثير هذا الطرح انتقادات من قبل دعاة الحظر الشامل، الذين يرون أنه قد يوفر غطاءً سياسيًا لبعض الديمقراطيين لتجنب اتخاذ موقف حاسم، ويؤخر الجهود الرامية إلى وقف الدعم العسكري بشكل كامل. ويؤكد هؤلاء أن اللحظة السياسية الحالية، في ظل تغير الرأي العام، تمثل فرصة لاتخاذ خطوات أكثر جرأة.
من الناحية القانونية، تستند الدعوات إلى وقف تسليح دولة الاحتلال إلى مجموعة من القوانين الأمريكية، التي تحظر تقديم مساعدات عسكرية لدول ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو تعرقل وصول المساعدات الإنسانية. كما تفرض تشريعات أخرى قيودًا على نقل الأسلحة إلى وحدات عسكرية يثبت تورطها في انتهاكات.
وتُطبّق هذه القوانين على كل من المساعدات الحكومية والمبيعات التجارية، حيث يخضع أي بيع للأسلحة لإخطار الكونغرس، الذي يملك صلاحية رفضه. كما يمكن للرئيس الأمريكي أو الكونغرس فرض قيود إضافية عبر أوامر تنفيذية أو تشريعات جديدة.
ورغم أهمية هذه الأدوات القانونية، يشير محللون إلى أن تطبيقها يظل مرتبطًا بالإرادة السياسية، في ظل استمرار الدعم التقليدي لإسرائيل داخل مؤسسات الحكم الأمريكية.
مستقبل الدعم الأمريكي على المحك
اقتصاديًا وعسكريًا، قد يؤدي فرض قيود واسعة أو حظر شامل إلى تقليص قدرة دولة الاحتلال على مواصلة عملياتها العسكرية بالوتيرة الحالية، خاصة إذا اضطرت إلى تمويل مشترياتها العسكرية بشكل مستقل.
ورغم امتلاك دولة الاحتلال ميزانية دفاعية كبيرة وصناعة عسكرية محلية، فإن الاعتماد على الدعم الأمريكي يظل عنصرًا حاسمًا في قدراتها العسكرية.
في هذا السياق، يرى خبراء أن تقليص الوصول إلى مخزونات الأسلحة الأمريكية قد يفرض قيودًا حقيقية على العمليات العسكرية، ويجبر صناع القرار في تل أبيب على إعادة تقييم استراتيجياتهم، خاصة في ظل اتساع نطاق العمليات في أكثر من ساحة إقليمية.
وتعكس هذه التطورات مرحلة جديدة في النقاش السياسي الأمريكي حول العلاقة مع دولة الاحتلال، حيث لم يعد الدعم العسكري غير المشروط محل إجماع، بل أصبح موضوعًا لخلافات داخلية حادة.
وبين دعوات الحظر الكامل ومحاولات التقييد الجزئي، يبقى مستقبل هذه العلاقة مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على حسم هذا الجدل في ظل ضغوط سياسية وشعبية متزايدة.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع "ذا إنترسبت" أضغط هنا
