بينما تتصدر البيانات الدولية لغة "التقدم" و"خارطة الطريق" لإنهاء الحرب في قطاع غزة، يواصل الواقع الميداني كتابة رواية مختلفة؛ غارات إسرائيلية لا تتوقف، شهداء يرتقون يوميًا، ومستشفيات تتعرض للاستهداف في وقت تعاني فيه من انهيار غير مسبوق.
وفي الوقت الذي أعلن فيه "مجلس السلام" الدولي خارطة طريق جديدة لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف الحرب، واستقبلتها الأطراف الدولية باعتبارها خطوة نحو التهدئة، استقبلت مستشفيات القطاع شهداء وجرحى جدد، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين التعهدات السياسية وحقيقة الميدان.
ميدان يواصل النزف
وأعلن "مجلس السلام" الدولي، خارطة طريق لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تضمنت التزام الاحتلال بتنفيذ استحقاقات بروتوكول شرم الشيخ دون تأخير، ضمن رؤية تقوم على سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد، مع وضع آليات تنفيذ وجداول زمنية خلال أسبوعين.
ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق بأنه اختراق تاريخي نحو إنهاء الحرب ونزع سلاح حماس، فيما رحبت اللجنة الوطنية لإدارة غزة بالتقدم المعلن، مؤكدة جاهزيتها لتولي إدارة الشؤون المدنية وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
في المقابل، برزت تباينات في المواقف؛ إذ أكدت حماس أن أي خطوة تتعلق بالسلاح ترتبط بانسحاب إسرائيلي كامل ودخول اللجنة الوطنية وقوات الاستقرار الدولية، بينما رفض وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الاتفاق، داعيًا إلى مواصلة العداون على غزة.
استهداف للمرافق الصحية
ورغم الحديث عن التهدئة، شهد قطاع غزة منذ، فجر اليوم السبت، سلسلة هجمات إسرائيلية متفرقة، ففي حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، استشهد الشابان حسن إبراهيم قحمان وعلاء عماد الترامسي إثر استهدافهما بطائرة مسيّرة قرب صيدلية أحمد في الشارع الثالث.
وفي دير البلح، استهدف الطيران الإسرائيلي مستودعًا ومخزنًا للمستلزمات الطبية داخل مستشفى شهداء الأقصى، ما أدى إلى توقف خدمات صحية أساسية.
ووصفت وزارة الصحة، الهجوم أنه جريمة مركبة تستهدف ما تبقى من المنظومة الصحية، في ظل نقص حاد بالأدوية والمستلزمات الطبية، كما تسبب القصف بتشريد عشرات العائلات النازحة التي كانت تقيم في خيام مجاورة للمستشفى.
وامتدت الهجمات إلى مناطق عدة، شملت استهداف منزل لعائلة الصلحات في مخيم المغازي، ومنزل آخر في منطقة المحطة بمدينة دير البلح أسفر عن استشهاد فلسطيني، إضافة إلى قصف خيمة قرب مدرسة الصمود في مواصي القرارة جنوب القطاع، ما أدى إلى استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين.
وشهدت مناطق شمال غرب غزة وشرق مدينة غزة إطلاق نار من الآليات والطائرات المسيّرة، إلى جانب قصف مدفعي استهدف شمال غرب مدينة رفح.
ووفق وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد الشهداء منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 73,349 شهيدًا، إضافة إلى 174,162 مصابًا.
ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ارتقى1,214 شهيدًا و3,977 مصابًا، فضلًا عن انتشال 804 جثامين.
ووصل إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة أربعة شهداء، بينهم شهيد متأثر بجراحه.
فجوة بين السياسة والميدان
وتكشف التطورات الأخيرة عن استمرار الهوة بين المسار السياسي والواقع الميداني، ويرى محللون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوازن بين الضغوط الأمريكية والحسابات السياسية الداخلية قبيل انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويتمثل أحد أبرز تعقيدات الاتفاق في الخلاف حول ترتيب التنفيذ؛ إذ تشترط حركة حماس انسحابًا إسرائيليًا كاملًا قبل الشروع في حصر وتسليم السلاح، بينما يتمسك الاحتلال بأن يبدأ نزع السلاح أولًا، وهو ما يهدد بتعطيل تنفيذ خارطة الطريق منذ مراحلها الأولى.
وإلى جانب ذلك، أعلنت حركة الجهاد الإسلامي تحفظها على الصيغة المتداولة للاتفاق، معتبرة أن ما نُشر إعلاميًا لا يعكس تفاصيله النهائية.
