أكدت افتتاحية صحيفة الغارديان البريطانية أن المواقف الأوروبية تجاه سياسات حكومة بنيامين نتنياهو شهدت تحولاً واضحاً خلال الأشهر الأخيرة، إذ انتقلت من التعبير عن القلق إلى الإدانة الصريحة، في ظل تصاعد الأحداث في غزة والضفة الغربية ولبنان.
وأشارت الصحيفة إلى إعراب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في سبتمبر الماضي، عن فزعها وغضبها من القيود المفروضة على دخول المساعدات إلى غزة، ووصفت الوضع بأنه تسبب في "مجاعة من صنع الإنسان". كما ندد الاتحاد الأوروبي بعنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، معتبراً أن هذه الممارسات تقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي سياق متصل، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، تعليقاً على القصف الإسرائيلي للبنان عقب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إن "حق (إسرائيل) في الدفاع عن النفس لا يبرر هذا التدمير".
واعتبرت الصحيفة أن هذه التصريحات، رغم حدتها، لم تحقق أي تأثير ملموس، حيث تعامل بنيامين نتنياهو ووزراؤه مع الانتقادات الأوروبية بازدراء شبه معلن، مستندين إلى دعم حلفائهم في البيت الأبيض الذين يتبنون نهجاً مشابهاً.
أدوات أوروبية غير مستخدمة
يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، كما تستفيد تل أبيب من برامج أكاديمية وبحثية مثل برنامج "هورايزون"، ما يمنح بروكسل أدوات ضغط فعلية. إلا أن الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد، إلى جانب المبالغة في الرهان على الإقناع الدبلوماسي، حالت دون استخدام هذه الأدوات.
وأبرزت الغارديان ظهور مؤشرات على تغير محتمل في هذا النهج. فقد شكّلت الهزيمة الانتخابية لرئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان ضربة سياسية لنتنياهو، الذي خسر حليفاً بارزاً داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي فبراير، كانت المجر الدولة الوحيدة التي عرقلت فرض عقوبات على المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية، وهو إجراء يتطلب إجماع الدول الأعضاء. ومع التغيير السياسي المرتقب في بودابست، يُتوقع إعادة طرح هذا الملف للنقاش.
وعلى مستوى أوسع، دفعت إسبانيا باتجاه تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي تمنح الأخيرة امتيازات اقتصادية وتجارية، بحجة انتهاكات حقوق الإنسان. ورغم أن هذا المقترح قد لا يحظى بإجماع، إلا أن تعليقاً جزئياً للاتفاقية، خصوصاً في الجانب التجاري، يمكن أن يتم بأغلبية مرجحة.
ولفتت الصحيفة إلى أن مثل هذه الخطوة طُرحت سابقاً لكنها لم تنجح، غير أن التحولات السياسية الأخيرة قد تعزز فرص إعادة النظر فيها، خاصة مع تزايد الانتقادات داخل أوروبا لسياسات الحكومة الإسرائيلية.
في هذا السياق، برز موقف رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي أعلنت تعليق تجديد اتفاقية التعاون الدفاعي مع دولة الاحتلال "نظراً للوضع الراهن"، بعد تصاعد التوترات بين روما وتل أبيب على خلفية مقتل مدنيين في لبنان.
وكانت ميلوني تُعد سابقاً من الحلفاء المقربين لإسرائيل، إلى جانب أوربان، ما يعكس تغيراً في المزاج السياسي الأوروبي تجاه الحكومة الإسرائيلية.
فرصة أوروبية بارزرة
ترى الغارديان أن استمرار الحرب، بما تحمله من تداعيات جيوسياسية واقتصادية، خاصة في ظل المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، جعل من الصعب على الحكومات الأوروبية الاستمرار في الاكتفاء بالمواقف الخطابية.
وتشير الصحيفة إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك نفوذاً كبيراً بحكم كونه شريكاً تجارياً رئيسياً لإسرائيل، حيث يمر نحو ثلث تجارتها عبره، إضافة إلى الروابط الأكاديمية والثقافية القائمة.
ورغم ذلك، تم تجاهل مواقف بروكسل مراراً، في ظل سعي نتنياهو، بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتنفيذ أجندة إقليمية لا تتضمن حلاً قائماً على الدولتين.
وتخلص الصحيفة إلى أن التحولات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي قد تمثل فرصة لإعادة صياغة السياسة الأوروبية تجاه ددولة الاحتلال، عبر الانتقال من الإدانة اللفظية إلى استخدام أدوات الضغط المتاحة.
وترى أن اللحظة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة أوروبا على ترجمة مواقفها إلى سياسات فعلية، في ظل واقع إقليمي متغير وضغوط دولية متزايدة.
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
