التصعيد الأخير في غزة.. حسابات السياسة وأصداء الصواريخ

حجم الخط
أرشيفية
غزة-وكالة سند للأنباء

لم تكن جولة القتال الأخيرة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة سهلة أبداً سيما وأنها جاءت في سياق توقيت سياسي حرج.

فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يسعى لتحقيق صورة انتصار من خلال إعطاء الضوء الأخضر لاغتيال القيادي البارز في سرايا القدس بهاء أبو العطا تساعده على تشكيل حكومة وحدة وطنية.

مراقبون أجمعوا أن الردَّ الفلسطيني على خرق إسرائيل للتهدئة هو ضرورة وطنية للحفاظ على بات يعرف بقواعد الاشتباك في غزة، وآخرون رأوا أن الجيش الإسرائيلي كان متأهباً لخوض هذه العملية ما أفقد المقاومة عنصر المباغتة وضرب أهداف إسرائيلية مؤثرة على الحدود.

بمقابل هذا التأهب الإسرائيلي جاء رد المقاومة متبايناً كما يرى المراقبون، فالجهاد الإسلامي بداً وحيداً في خوض معركته مع إسرائيل في وقت بدا أداء حماس السياسي والعسكري متوازناً ليس لديه رغبة بتوسيع دائرة النيران.  

خرق لقواعد الاشتباك

الكاتب السياسي د. حسن عبدو فيقول إنَّ اغتيال أبو العطا مثل خرقاً سافراً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه مصر مع قطاع غزة، مؤكداً أن ذلك كان يستوجبُّ رداً قاسياً من فصائل المقاومة.

ووفقاً لعبدو فإنه وبينما كانت تستدعي عملية الاغتيال مشاركة كل الفصائل الفلسطينية للرد على الجريمة، إلا أنَّ الجهاد الإسلامي خاض هذه المعركة منفرداً بمشاركة بعض الفصائل، "دون أن تشارك فيها حركة حماس التي نظرت إلى أن هذه المعركة هي معركة الجهاد وحده".

استمرار ردود الجهاد الإسلامي كان يسبب حرجاً كبيراً لحركة حماس، كما يعتقد عبدو الذي يرى أن الاستفراد بالجهاد أعطى تعاطفاً كبيراً من الشارع الفلسطيني تجاه الحركة.

أداء حماس الميداني والسياسي

ويقول عبدو لمعد تقرير "وكالة سند للأنباء"، إن إدارة المعركة في قطاع غزة مع الاحتلال الإسرائيلي بهذه الطريقة لها سلبيات وإيجابيات، فإن كان موقف حماس هي خطوة تكتيكية وضمن ترتيب داخلي فهذا سيكون مفيداً للمعركة.

أما إن كان رد حماس جاء وفقاً لحسابات سياسية أو استناداً على قرار مسبق بعدم التدخل في المواجهة العسكرية استجابة لرسائل دول أو وسطاء لتحييد الحركة عن جولة القتال، فإن هذا أمر مرفوض سياسياً ووطنياً، حسب عبدو.

ويوضح عبدو إنْ كان قرار حماس أُخذ نتيجة تقدير داخلي خشية من توسيع العدوان على غزة، فهذا أمر مقبول، لكن إن استندت الحركة على معلومات مسبقة من وسطاء بأن إسرائيل ذاهبة لاغتيال أبو العطا، كونه يمثل مصدر إزعاج للجميع فهذا اغتيال بقرار إقليمي وهذا مرفوض.

أهمية توازن التكتيكات

ويتفق المختص في الشأن العسكري رامي أبو زبيدة مع سابقه في أن سرايا القدس وضعت إسرائيل في رعب على مدار أيام متتالية عبر الضغط على الجبهة الداخلية فيها في سعي لإفشال استثمار عملية الاغتيال التي أرادها نتنياهو في الميدان.

وتوازياً مع رد السرايا التي تصدرت المواجهة العسكرية، يرى أبو زبيدة أن حماس نجحت في اتباع تكتيك عسكري وسياسي، حافظت من خلاله على دعم الجهاد في ردها الميداني من ناحية.

 ومن ناحية أخرى حافظت حماس على توازنها بعدم الدخول في المعركة خشية من توسيع دائرة النيران الأمر الذي سيفتح شهية إسرائيل عبر استهداف الأبراج والمؤسسات والمدنيين، وبالتالي تحقيق صورة نصر لنتنياهو يمكن من خلاله تشكيل حكومة طوارئ، وفقاً للمختص أبو زبيدة.

صورة مواجهة أفضل

من وجهة نظر الباحث أبو زبيدة، فإنه كان يُستحسن عدم العجلة في الرد وجعل إسرائيل في حالة ترقب وذعر، والتنسيق داخل الغرفة المشتركة للخروج بعمل نوعي مركز يفقد نتنياهو استثماره للعملية العسكرية.

كما أنه من الضروري إجراء تقييم للأداء العملياتي سواء لسرايا القدس كجهاز عسكري أو لغرفة العمليات المشتركة كإطار جماعي ناظم للعمل العسكري الموحد، كما يقول أبو زبيدة لـ "سند للأنباء".

وينصح الباحث المقاومة الفلسطينية لإجراء قراءة نقدية للأداء العملياتي والسياسي، استخلاصاً للدروس والتحضير لجولة قتال قادمة مع الاحتلال الإسرائيلي.

3 تكتيكات مهمة

من جانبه، يرى الأمين العام لحركة الأحرار الفلسطينية خالد أبو هلال، أنَّ الرد على إسرائيل يجب أن يستند على 3 تكتيكات عسكرية وسياسية في الوقت الراهن، الأول تثبيت قواعد الاشتباك والرد على أي عدوان سيما عمليات الاغتيال.

أما التكتيك الثاني فيتمثل بضرورة زيادة مساحة التنسيق المشترك بين فصائل المقاومة والاستناد إلى العمل الجماعي والقرار الموحد في توزيع الأدوار والمهمات من خلال تفعيل أداء غرفة العمليات المشتركة.

التكتيك الثالث، كما يقول أبو هلال في حوار أجراه مع مراسل "وكالة سند للأنباء"، فلابد أن يستند رد المقاومة في قطاع غزة لرؤية وطنية محددة، وليس الانجرار إلى ردات فعل غير محسوبة "ربما تريدها إسرائيل لأهداف سياسية" من وجهة نظره.  

ووفق أبو هلال فإنه لابد في إطار هذا التكتيك معرفة خلفيات ودوافع التصعيد الإسرائيلي وتوقيته قبل توسيع مساحة النيران والاشتباك مع إسرائيل، والوقوع في "فخ الاستدراج الإسرائيلي"، على حد وصفه.

ويشير هنا إلى أن المواجهة العسكرية مع إسرائيل جاءت في سياق أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إطار المزايدات الانتخابية يرغب بتحقيق صورة نصر أمام الرأي العام الإسرائيلي.

مكاسب إسرائيل

المختص في الشأن الإسرائيلي د. وجيه أبو ظريفة فيقول إنَّ إسرائيل أرادت إزالة بهاء أبو العطا من المسرح العملياتي كونه يعد واحداً من الشخصيات المؤثرة ولها ثقل في التشكيلات العسكرية بغزة.

ونتنياهو، حسبما يقول أبو ظريفة كان يريد أن يحقق باغتيال أبو العطا مكسباً سياسياً له يفيده في معركة الانتخابات بإسرائيل، سيما وأنه شكل له حرجاً كبيراً أمام جمهوره أثناء كلمة له في "أسدود"، عندما انطلقت صفارات الإنذار هناك نتيجة إطلاق صواريخ من غزة وكان المسؤول عنها بهاء.

ويشير إلى أن نتنياهو أراد أيضاً أن يؤكد على أنه الشخص القوى وصاحب المواقف الجريئة والقرارات الصعبة في إسرائيل وبالتالي يحقق صورة نصر أمام الناخبين في إسرائيل. 

كما سعى نتنياهو لاختبار جهوزية المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة من خلال محاولته التصوير لجمهوره بأنه القادر على كسر قواعد الاشتباك التي تعبّدت في السنوات الأخيرة وبعد جولات قتال عديدة.

صورة انتصار شكلية

أبو ظريفة شدد لـ "وكالة سند للأنباء"، على أن نتنياهو لم يجلب انتصاراً لإسرائيل كما يصور لجمهوره، "والانتصار بالمعنى السياسي والعسكري يكون إما بالقضاء على الخصم أو ترويضه وهذا لم يحصل".

ويقول أنَّ نتنياهو هو الذي يشعر أنه انتصر في جولة القتال مع غزة، حتى أن أحزاب المعارضة في إسرائيل تحمله مسؤولية شل الحياة اليومية داخل دولة الاحتلال بفعل صواريخ المقاومة.

"فرق تسد"

حسب أبو ظريفة فإن سياسة نتنياهو الاستراتيجية هي اللعب على تناقضات الانقسام الفلسطيني، ولذلك حاول أنّ يصور للرأي العام على أنَّ جولة القتال الأخيرة مع الجهاد الإسلامي وليس حماس لأهداف ذو أبعاد عملياتية وسياسية.

غير أن توقيت المعركة كان قراراً إسرائيلياً وليس قراراً فلسطينياً بسبب أولاً عدم وجود أهداف سياسية ولا عملياتية لدى المقاومة في الوقت الراهن، إضافة لعدم وجود رغبة فلسطينية في الدخول بمعركة في ظل تعقيدات الأزمة الداخلية بإسرائيل حتى لا تكون بوابة لتصديرها لقطاع غزة. 

ويرى المختص أبو ظريفة أنَّ جولة القتال فرضتها دولة إسرائيل عندما اغتالت أبو العطا ومحاولة اغتيال مسؤول الدائرة العسكرية في الجهاد أكرم العجوري الذي يقيم في دمشق.

وأمام هذه التطورات أخذت المقاومة الفلسطينية قرارها بالرد بشكل منضبط لا يؤدي لحرب على هذا التصعيد، سيما وأنه تماشى مع رسائل أرادت إسرائيل إيصالها ذات طابع إقليمي ودولي ومحلي.

وأكد أن رد الجهاد الإسلامي كان عبارة عن ردة فعل طبيعية على عملية اغتيال شخصية مهمة من أجل أن تقول لإسرائيل بأن "عمليات الاغتيال غير مقبولة، والرد عليها سيكون سريعاً ومباشراً وقوياً".