لم يكن ينقص حلا درويش سوى أيامٍ قليلة لتكتمل الحكاية التي انتظرتها طويلًا؛ فستانٌ أبيض، وضحكةٌ تخبئ خجل البدايات، ويدٌ تمتد لتصافح الحياة الجديدة.
لكن في غزة، لا تكتمل الحكايات كما تُكتب، بل كما يُملى عليها تحت فوهات بنادق الاحتلال، فبين خطوةٍ نحو الزفاف وخطوةٍ نحو هاتفٍ يرن، اخترقت رصاصة رأسها، لتسقط العروس قبل أن تصل إلى عتبة فرحها، وتُزف بدلًا من ذلك إلى سرير العناية المركزة، حيث الحياة مُعلّقة بخيطٍ رفيع وأجهزةٍ عاجزة.
يقول والد الجريحة حلا درويش لـ "وكالة سند للأنباء"، إن العائلة كانت تستعد لفرحها في الأول من مايو/ أيار القادم، قبل أن تصيبها رصاصة في رأسها، وتحوّل البيت من ورشة فرح إلى غرفة انتظارٍ ثقيلة بالقلق.
ووفق الأطباء، أظهرت الصورة المقطعية للدماغ وجود نزيفٍ حاد نتيجة الإصابة، ما أدخلها في حالة حرجة للغاية، ومنذ أكثر من 9 أيام، ترقد حلا على سرير العناية المركزة، فيما تقف الإمكانيات الطبية المحدودة في قطاع غزة عاجزة عن إجراء العمليات المعقدة التي تحتاجها، وسط تدهورٍ مستمر في حالتها الصحية يومًا بعد يوم.
اليوم، تتنفس حلا عبر جهاز التنفس الصناعي، تحت تأثير التخدير الكامل، في سباقٍ صامت بين الحياة والموت، بينما يتطلب علاجها أجهزة وتقنيات غير متوفرة في القطاع المحاصر.
تقطن حلا درويش في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بمحاذاة الخط الأصفر، حيث تتمركز قوات الاحتلال، وحيث لا يكاد يمر يوم دون إطلاق نار أو توغل، في واقعٍ يفرض الخطر الدائم على حياة السكان.
قبل إصابتها بعشرة أيام فقط من موعد زفافها، كانت حلا تعيش تفاصيل العدّ التنازلي لفرحها؛ أنهت تجهيزاتها، وكانت الفرحة تملأ قلبها، فيما كانت العائلة والأصدقاء يستعدون لموعدٍ انتظروه طويلًا.
في صباح يوم إصابتها، خرجت حلا لتشتري حذاء فستان الزفاف، كانت سعيدة لأنها أتمّت آخر تفاصيل عرسها.
عادت إلى المنزل، أعدّت طعامها، ثم حملته إلى غرفة والدتها، التي كانت بدورها قد أصيبت برصاصة من الاحتلال في قدمها، في مشهدٍ يختصر كيف تتقاطع الجراح داخل البيت الواحد.
بعد ذلك، رنّ هاتفها وقفت لتجيب، وفي لحظةٍ خاطفة، اخترقت رصاصة رأسها، لتسقط فورًا، لم يكن هناك إنذار، ولا صوتٌ يسبق الرصاصة، فقط صمتٌ ثقيل أعقب السقوط.
في تلك الأثناء، كان خطيبها محمد الشريحي يقف بالقرب من الشارع الذي مرت منه السيارة التي نقلتها إلى المستشفى، دون أن يعلم أن المصابة هي عروسه، فالجميع كان يخشى عليه من رصاص الاحتلال، بحكم عمله قرب الخط الأصفر، لكن الرصاصة اختارت حلا.
يقول خطيبها إنها كانت تحب ورد التوليب، لكنها رفضت أن يكون ضمن مسكة العروس، لتوفير التكاليف، لم تخبره أنها تحلم به، كما لم يخبرها أنه حجزه سرًا ليفاجئها يوم الزفاف، بقيت المفاجأة معلّقة، كما بقي الفرح مؤجلًا، وربما مستحيلًا.
حلا سالم درويش، شابة فلسطينية تبلغ من العمر 18 عامًا، كانت قد خُطبت قبل نحو 9 أشهر بعد محاولات من خطيبها لإقناع عائلتها، وكان من المقرر أن تُزف في 1 مايو القادم.
لكن بدلًا من أن تمشي نحو منصة العرس، وجدت نفسها تُنقل على عجل إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، تصارع نزيفًا في الدماغ، فيما يؤكد الأطباء أن ضعف الإمكانيات الطبية يحول دون إنقاذها بالشكل المطلوب.
