حين يغيب الضوء عن مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، لا يبقى في خيمة ميساء حمدي سوى بصيصٍ خافت يتسلل من كشافٍ صغير، لكنه يكفي ليحفظ حلم أطفالٍ يرفضون أن يبتلعهم الظلام.
هنا، وسط البرد والقماش المهترئ، تتحول الأمٌ منهكة والمعلمة، الخيمة إلى فصلٍ دراسي يقاوم حربًا تحاصر كل شيء.
بإمكانيات تكاد لا تُرى، تجلس ميساء إلى جانب أبنائها وأبناء شقيقها الذين فقدوا والدتهم، وتبدأ درسًا على ضوءٍ ضعيف، كأنها تحاول أن تكتب لهم مستقبلًا من نور في قلب العتمة، مؤمنةً أن العلم هو النافذة الأخيرة التي لم تُغلق بعد في وجههم.
تقول ميساء حمدي لـ"وكالة سند للأنباء": "أقوم بتدريس أطفالي في الليل وفي العتمة، لا يوجد لدينا كهرباء كحال جميع قطاع غزة".
وتضيف بصوتٍ يختلط فيه التعب بالأمل: "أستخدم كشافًا صغيرًا لا تتجاوز مدة إضاءته الساعتين، ومن بعد العصر تصبح خيمتي معتمة بسبب تلاصق الخيام".
ولا يتسع الوقت ولا الضوء لكل ما يريد الأطفال تعلمه؛ "أدرس أولادي مع أولاد أخي بسبب استشهاد والدتهم، والساعتين التي أستخدم فيهما الكشاف لا تكفي، ولا يستطيع الأولاد إنهاء كافة واجباتهم"، تقولها ميساء وهي تدرك أن كل دقيقة ضوء تُسرق منهم، هي جزء من مستقبلهم يتلاشى.
وتعود بذاكرتها إلى لحظة لا تُنسى: "في شهر تموز 2025، استهدف الاحتلال خيمة بالقرب منا، ما أدى لاستشهاد زوجة أخي وإصابتنا جميعًا، وتمزقت خيامنا، ولم يمد أحد يد العون لنا، فخيطنا خيامنا بأيدينا".
ثم تضيف بحزنٍ ثقيل: "وضع الخيم سيء جدًا، ووجهنا مناشدات لعدة جهات لكن لا مجيب".
حكاية ميساء ليست سوى صورة واحدة من مشهدٍ أكبر؛ فبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم، دُمّرت 9 من كل 10 مدارس في غزة، وفقد أكثر من 18 ألف طالب و792 معلمًا حياتهم، بينما حُرم أكثر من 800 ألف طالب من حقهم في التعليم.
وتحذر منظمة "اليونيسف" من أن 60% من أطفال غزة باتوا خارج مقاعد الدراسة الحضورية بين يناير وأبريل 2026، في ظل خطر حقيقي بولادة جيل ضائع.
